5 دقائق

ما الارتجال المؤسسي

د. علاء جراد

علم الإدارة هو علم ديناميكي يتطور ويتغير باستمرار، ومع مرور السنوات يتطور فرع جديد من علوم الإدارة والتطوير المؤسسي، ويتم توثيق ممارسات وتنظيرها، حيث تستفيد منها الشركات والمؤسسات المدفوعة بالتعلم والتي لديها الرغبة الدائمة في تطوير أدائها وتحسين إنتاجيتها، ومن أحدث فروع الإدارة والذي بات يحظى بكثير من الأبحاث والدراسات فرع جديد اسمه «الارتجال المؤسسي» أو Organisational Improvisation وكما يتضح من المصطلح فهو الارتجال الذي نعرفه جميعاً، وربما قمنا به في مواقف عديدة، مثل أن يحدث موقف ما لم نكن على استعداد له، ولم نضعه في الحسبان، فنرتجل مثلما يرتجل المتحدث ويخرج على النص المكتوب، ففي المؤسسات يرتجل المديرون والعاملون بأن يتصرفوا بطريقة عفوية لحل مشكلة ما ليس لها سيناريو أو نص مكتوب.

مكن تعريف الارتجال المؤسسي بأنه تبني حل عملي ارتجالي غير مخطط مسبقاً في النظام المؤسسي، يساعد على استحداث منتج جديد أو تطوير منتج موجود، ويمكن أن يحدث الارتجال على مستوى الأفراد، ولدى فرق العمل، وعلى المستوى المؤسسي ككل. ويعد الارتجال إحدى طرق التعلم المؤسسي، وكذلك رافد مهم من روافد التطوير وحل المشكلات.

وقد يرتبط الارتجال بمفهوم آخر هو «المصادفة» أو Serendipity حيث تقود المصادفة لإنتاج منتج جديد، مثلما حدث في ملصقات «بوست – إيت» الملونة التي نستخدمها لتذكيرنا بأشياء نريد عملها، وتمتاز بالغراء اللاصق الضعيف الذي لا يترك أثراً، فهذا المنتج هو وليد المصادفة تماماً، حيث أنتجت الشركة غراء لم يكتب له النجاح، بسبب تركيبته الضعيفة، ومن هنا جاءت فكرة تقديم منتج جديد يعتمد على هذا الغراء الضعيف.

وأذكر هنا مثالاً بسيطاً لتوضيح طبيعة هذا الموضوع أكثر، ففي أحد المخابز المشهورة كان يتم إنتاج لفائف مخبوزات الزبد والتي تشبه «الكرواسون»، وكان الطلب عالياً جداً على هذا المنتج للإفطار، وفي أحد الأيام لم تصل شحنات الزبد في الوقت المحدد، وبدلاً من الاعتذار للمستهلكين عن عدم تقديم منتجهم المفضل، قام الشيف بإعداد نوع من الخبز باستخدام الجبن الكريمي، وأخبر الزبائن بأنه اضطر لتقديم هذا المنتج بديلاً لمنتجهم المفضل مؤقتاً.

وهنا كانت المفاجأة، حيث لاقى المنتج استحساناً كبيراً، وازداد الطلب عليه يوماً بعد يوم، وتم إدراجه كمنتج جديد من «اختراع» المخبز، بل قام المخبز بتسجيله أيضاً.

هناك كثير من الأمثلة، خاصة في مجال الصناعة، ربما أكثر من المجال الخدمي، لذلك تحتاج المؤسسات لفهم أهمية الارتجال المؤسسي، وتدريب العاملين عليه، وتشجيعهم للارتجال في حال لم يكن هناك حل معروف، فربما يأتي بنتائج ومفاجآت سارة وغير متوقعة، وحتى الآن لا يوجد إطار عمل متفق عليه لآلية الارتجال أو كيفية تعلمها أو دمجها في النظام المؤسسي، حيث يظل هذا الفرع في بداية التكوين والتشكيل، ولكن مع مرور الوقت ستخرج الأبحاث بأطر عمل معتمدة يمكن الاستشراف بها في عملية الارتجال، ما سيساعد على تقليل الأخطاء ورفع الفاعلية والإنتاجية المؤسسية.

إذا كان لديكم تجارب مماثلة أو أفكار حول هذا الموضوع أرجو مشاركتها.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة