5 دقائق

في البدء كانت كهربائية

محمد سالم آل علي

إن السيارات الكهربائية التي نشاهدها اليوم ليست مفهوماً معاصراً كما يظن الكثيرون، بل إنها واقع يمتد تاريخه لأكثر من 100 عام خلت، تخللتها العديد من المفارقات والأحداث التي صاغت واقعها المعاصر، وأسهمت إلى حد كبير في رسم الخطوط الرئيسة لما قد نتوقعه في المستقبل.

لقد كانت البداية الحقيقية للسيارات الكهربائية مع أواخر القرن الـ19 في كل من فرنسا وإنجلترا، ثم تبعتهما الولايات المتحدة بدءاً من عام 1895.

وللمفارقة، فإن أهم ما ميّز السيارات الكهربائية في تلك الفترة هو كلفتها العالية، حيث كانت أشبه بعربات مزخرفة مصممة للطبقات الأرستقراطية، وصل متوسط سعرها بحلول عام 1910 إلى 3000 دولار.

وهكذا ومع مطلع القرن الـ20، أصبح هناك ثلاثة أنواع رئيسة للسيارات، هي: الكهربائية، والبخارية، وتلك التي تعمل على البنزين، مع تفوّق منقطع النظير للسيارات الكهربائية التي فاقت مبيعاتها جميع أنواع السيارات الأخرى، لما تتمتع به من أفضليات، فهي تسير بلا ضجيج، ولا تتطلب ناقلاً للحركة.

إلا أن هذا المشهد بدأ بالتغير سريعاً مع قدوم عشرينات القرن الماضي، وبدأت صناعة السيارات الكهربائية بالتباطؤ والتضاؤل تدريجياً، نتيجة مباشرة لتزايد الاكتشافات النفطية الجديدة، وما أسهمت به من انخفاض كبير في سعر الوقود، فبدأ الإنتاج الضخم للمركبات ذات محرك الاحتراق الداخلي، وأتيحت هذه المركبات على نطاق واسع، وبأسعار تبدأ بـ500 دولار، بينما الكهربائية وصلت كلفتها إلى آلاف الدولارات في ذلك الوقت.

وما سرّع من تحوّل الاتجاهات الصناعية بعيداً عن السيارات الكهربائية في تلك الفترة، محدودية المدى الذي يمكن أن تصل إليه، وبروز الحاجة إلى مركبات بعيدة المدى، تتماشى مع تطور شبكات الطرق التي بدأت تربط المدن والأنحاء.

واليوم، وعندما بدأ التاريخ يعيد نفسه بشكل معاكس، تغير المشهد، فأسعار النفط المتزايدة مع تداعيات التغيرات المناخية أسهمت في تسارع وتيرة الثورة الكهربائية، وتماشى الصانعون الكبار مع هذا التيار، وبدأت الملامح ترتسم من خلال تزايد الإنتاج، وتوسيع البنية التحتية الخاصة بالشحن، وجاءت الأرقام تصديقاً لذلك، ففي ديسمبر 2021 تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا، مبيعات سيارات الديزل، وحطمت مبيعات «تسلا» رقماً قياسياً، وباعت نحو مليون سيارة كهربائية، أما الأهم فهو توقعات وكالة الطاقة الدولية التي تشير إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا ستصل إلى 60% بحلول 2030.

أما على الصعيدين العربي والإقليمي فقد جاءت دولة الإمارات كعادتها دوماً في مركز الريادة من ناحية التحول نحو السيارات الكهربائية، فوضعت الخطط، وصاغت المستهدفات، واتخذت مجموعة من الخطوات الاستباقية في سبيل حماية هذا الكوكب، وبناء مستقبله المستدام.

الخلاصة أن السياق التاريخي لطالما كان اللاعب المحوري في مسيرة التطور، فلو تأخر اكتشاف النفط بضعة عقود، لرأينا البحث والتطوير منصبّاً على السيارات الكهربائية، ولشاهدنا اليوم سيارات كهربائية لها من التطور والعملية ما يفوق الخيال بمراحل وأشواط، وبالمقابل، وكما هي الحال الآن مع جائحة «كورونا» التي دفعت العالم إلى النهوض بالأبحاث الطبية إلى مستويات غير مسبوقة، فإن مستقبل الكوكب هو الذي يرمي بثقله نحو الخيار الكهربائي ويحضُّ عليه.

• مؤسس سهيل للحلول الذكية

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر