5 دقائق

العربي لا يقرأ (2)

عبدالله القمزي

تنتشر فيديوهات لأفلام أو مسلسلات قديمة تخمّن أحداث اليوم، فأيام «كورونا» ظهرت مقاطع لأفلام تتحدث عن انتشار «كورونا» - الفيروس اكتُشف في الثلاثينات - أو مرض غامض، وتتوقع بدقة الأحداث التي مررنا بها، وحتى انتخاب ترامب وحرب أوكرانيا ظهر لهما مقطع يخمّن حدوثهما.

ينشر العرب هذه المقاطع المأخوذة أصلاً من شريحة أميركيين جهلة من مناصري الرئيس السابق، لإثبات وجود المؤامرة وأن كل هذه الأحداث مدبّرة. سؤال يحيرني: طابع المؤامرة أساساً سرّي فإذا أراد شخص نشر مرض أو تخطيط حرب فلماذا يكشفها في سيناريو فيلم قبل وقوعها بعشرين عاماً مثلاً؟ أليس ذلك غباء؟ ولماذا تصدق العرب الغباء وتنشره؟

كيف تخمّن الأفلام أحداث المستقبل؟ تعتمد هذه الأفلام على نظرية أن الأحداث الكبرى تقع مرتين في حياة الإنسان أو مرتين في أكثر من قرن. فالحربان العالميتان وقعتا في حياة جيل واحد وتفصلهما 21 عاماً فقط. شارك هتلر في الحربين وغزا فرنسا مرتين.

غزت فرنسا ألمانيا مرتين في القرن الـ19، غزت الولايات المتحدة العراق مرتين، الأولى جزئي لتحرير الكويت، والثانية شامل، وبينهما 12 عاماً. بدأت الحرب الباردة في الخمسينات وانتهت في 1989، والحرب الباردة الثانية أو ما يشبهها يحدث اليوم.

غزا ستالين أوكرانيا في 1939 ويغزوها بوتين اليوم، انحل الاتحاد السوفيتي في 1991، وها هو بوتين يحاول بناء كيان مشابه بالطريقة نفسها لبناء ذلك الكيان بعد 30 عاماً من سقوطه.

هذه الأحداث ليست مدبّرة وتقع عندما تكون الوجوه نفسها في السلطة أو قريبة منها، وهي تقلبات طبيعية جداً في التاريخ البشري ولا علاقة لها بالمؤامرات إلا للعربي الذي لا يقرأ.

فإذا تربّى مؤلف عمل فني في الحرب الباردة وكتب سيناريو فيلمه أو مسلسله بناءً على أحداث عاشها، وتكرر الحدث مستقبلاً، فذلك لا يعني أبداً أنها مؤامرة، بل جاء تخمينه صحيحاً بناءً على تجربة الشخص وثقافته.

وإذا خمّن مسلسل ساخر فوز ترامب بالرئاسة بناءً على تصريح الرئيس السابق نفسه آخر التسعينات، فذلك لا يعني أنه يعلم الغيب، بل هي صدفة بُنيت على تصريح.

وإذا خمّن فيلم أو مسلسل انتشار مرض، فذلك بناءً على سيناريوهات أمراض سابقة، بروتوكولاتها مشابهة لبروتوكول جائحة اليوم، ولا يعني أن صانعه يعلم أن مرضاً جديداً سينتشر. أفلام الأمراض موجودة منذ منتصف القرن الـ20 بناءً على فيروسات انتشرت أثناء الحرب العالمية الأولى.

موقف

يؤمن العربي بأن الموضوع مخطّط له، لأنه لم يتربَّ على قراءة التاريخ، ولم يمرّن عقله على التفكير النقدي ويستخدم كلمة مدبَّر متجاهلاً قضاء الله وقدره، وأن التدبير وتسيير الكون عند الله وحده، وعازياً كل شيء لقوى الشر الموجودة في عقله والمسيطرة على العالم، ومصدقاً كل تخمينات صنّاع المسلسلات والأفلام، وهنا الخطورة لأن ذلك يُخرج المرء من الإيمان إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

علم الغيب من اختصاص الله وحده ولا يجب علينا إشغال عقولنا بدقة تخمينات المسلسلات، لأنهم كالعرافين ترتفع أسهمهم كلما كانت تخميناتهم دقيقة والعياذ بالله. قال الله تعالى: «قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله».

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة