5 دقائق

العربي لا يقرأ

عبدالله القمزي

ربما لا توجد أداة تعكس المزاج الشعبي العربي مثل «واتس أب». عندما تنتشر فيه مادة انتشار النار في الهشيم، فإنك تعلم أن الغالبية تصدقها. مشاركات الـ«واتس أب» مفتوحة، وتأتينا من كل حدب وصوب، نظراً للانفتاح الذي نعيشه.

هناك حقيقة واحدة هي أن العربي لا يؤمن بالتاريخ، ولا يؤمن بالقضاء والقدر، لكنه يؤمن بأن كل ما يحدث هو «فيلم مدبر ومعد مسبقاً»، وأن هناك قوى خفية تسيّر العالم، هذه القوى تسيّر العالم منذ أن ولد هذا العربي. بكلمات أخرى: إنها المؤامرة.

انتهينا من مؤامرات «كورونا» التي رصدتها وسائل الإعلام العالمية المرموقة، ودحضتها الواحدة تلو الأخرى، لكن العربي لا يريد أن يصدق إلا ما يتوافق مع معتقداته، ثم جاءتنا الحرب الروسية على أوكرانيا، وظهرت معها نظريات المؤامرة الجديدة. يعاني العربي عقدة الرهاب (بارانويا)، وتفسيراته للأمور تنطلق من هذه العقدة، فهو يرى أن العالم يتربص به.

الذكي والموهوب من العرب يوظّف ذكاءه في خدمة المؤامرة، فتراه يجمع أنصاف حقائق، ومعلومات مزيفة، أو متلاعباً بها، لخلط الحقائق بالأوهام، لخلط ما حصل (حقيقة) بما لم يحصل (أوهام)، وخلق مؤامرة من رحم مؤامرة أخرى، ثم يشارك مادته في تطبيقات التواصل الاجتماعي، ويصدّق الجميع المغالطات، لسبب واحد وهو أنهم يريدون تصديقها، لأن هذا ما نشأوا عليه، فالعربي لا يقرأ.

المؤامرة هي معلومة مغلوطة أو إشاعة، كانت في الماضي رهينة عقول البشر، ولا تبتعد أكثر من ألسنتهم، بسبب محدودية وسائل الإعلام ودور الناشر في التوعية ضدها. وعندما ظهرت الـ«سوشيال ميديا»، وأصبح كل من يحمل جهازاً ذكياً ناشراً، حصلت المؤامرة على زخم لم تحلم به قط.

يعد الإيمان بالمؤامرة وتصديق التنبؤات من علامات الشرك بالله سبحانه وتعالى، ففي نظرية المؤامرة لا وجود للخالق، لأن من يسيّر الأمور ويدبرها هو ذلك الإنسان الشرير الذي يعيش في الغرب، وهو القاهر والمسيطر على كل شيء.

تضخّم المؤامرة دور ذلك الشرير في عقل العربي المسكين الذي لا يقرأ، وتنفخ في النار، ويصدق العربي أن الأشرار متربصون به، يريدون السيطرة عليه، وسرقة موارده، فيصبح مهووساً بقوى الشر التي في عقله، وبالتالي ينسى أن مسير الكون ومدبر الأمور هو الله سبحانه وتعالى، وليس البشر بفيلمهم الذي لا يوجد إلا في عقل العربي الذي لا يقرأ.

هل المؤامرة موجودة؟ نعم، لكن على نطاق ضيّق، وليس كما يتخيل العربي، وذلك لأن البشر قدراتهم محدودة، ولا يستطيعون التخطيط والسيطرة على كل شيء طوال الوقت، ومنذ فجر التاريخ وإلى الأبد، لأن ذلك مستحيل. المؤمنون بالمؤامرة موجودون في كل مكان، هم في الشرق (روسيا والصين والعرب) أكثر من الغرب.

موقف

دجّن الاتحاد السوفييتي السابق مواطنيه على نظرية المؤامرة والخوف من الغرب وشيطنته، وعندما انحل رأينا مواطنيه يهاجرون بالآلاف إلى الغرب ذاته، وحتى العرب لم يهاجروا إلى الصين، إنما إلى الغرب، وهذا الغرب ليس جنة، وليس موطناً للملائكة، وهو أبعد ما يكون عن المثالية، ولكن الخروج من نطاق فكر المؤامرة علم ونور.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة