5 دقائق

إطعام المسكين

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من محاسن شريعتنا الإسلامية، وشِرعتها الإنسانية؛ دعوتها لإطعام المساكين ابتغاء وجه الله تعالى، ووفاءً لحق الإنسان الذي يعيش مع أخيه الإنسان في الوطن، أو في أي بلد كان، فقد أثنى الله تعالى ثناءً بالغاً على المُطعمين إخوانَهم من بني الإنسان، فقال جل شأنه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ فقد ذكرهم في سياق الثناء على عباد الله تعالى الأبرار الذين أعد لهم الجزاء الأوفى من العيون التي يفجرونها تفجيراً، ومن الكؤوس التي مزاجها كافور، وفي المقابل ذم من شحَّ بماله عن هؤلاء المساكين، فكان من أسباب إذاقته العذاب الأليم أنه ﴿لَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ فلا هو يفعل ذلك، ولا يريد غيره أن يفعله، فهو من أبخل البخلاء، والبخل أدوأُ الداء، ولذلك ذكره في سياق من لا يؤمن بالله العظيم، وأعد لهم ذلكم الجزاء الأليم، وكأن هذا الخلق اللَّئيم ليس من صفات المؤمنين برب العالمين؛ لأن المؤمن شأنُه أنْ يصدق بوعد الله الذي وعده المنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته؛ من الإخلاف في الدنيا، والجزاء الأوفى بالأخرى، ومن البركة في المال والصحة والولد وغير ذلك، كما وردت بذلك أدلة كثيرة من كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» فهو خطاب لعموم الناس أن يفعلوا هذه الأفعال الجميلة التي هي من مكارم الأخلاق، وإطعام الطعام لكل من يحتاجه؛ إنساناً كان أو حيواناً محترماً، يعني غير مؤذٍ، ففي كل كبد رطبة أجرٌ كما ورد في الصحيحين.

وقد ورد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلق كلُّهم عيال الله – أي فقراؤه، من العَيلة وهي الفقر- فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله».

ومبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله تعالى لإطعام مليار إنسان، هي من نفع الخلق الذي يكون سبباً لمحبة الله تعالى، ومحبة خلقه له، لأن الله تعالى إذا أحب عبداً جعل محبته في قلوب عباده كما صح في الحديث، وهي من الدلالة على الخير التي يكون للدال مثل أجر المتصدق، وهي فوق ذلك استشعارٌ إنساني راقٍ لحاجة ذوي الحاجة، والسعي لسد حاجتهم، وهذا الاستشعار الإنساني من محاسن الإسلام، فإنه يدعو لأن تكون الإنسانية فوق كل اعتبار، وسموه حفظه الله يعيش بهمّ الإنسانية، فنراه يوماً بعد يوم يسعى جاهداً لرقيها وإسعادها، فضلاً عن تخفيف أعباء الحياة عن الإنسان، فهو لا يفتأ من المبادرات الإنسانية؛ تثقيفاً، وتعليماً، وتنميةً بشريةً، وإطعاماً، وتطبيباً، وسُقيا.. بحيث لا يكاد يجِفُّ حبر خبر المبادرة الأولى حتى تتبعها مبادرة أكبر، وانظر إلى الفارق بين مبادرة إطعام 100 مليون إنسان العام الماضي، إلى مبادرة مليار إنسان العام الجاري، لترى عظم الفرق بين المبادرتين.

وإذا كانت الإحصاءات تفيد بأن 800 مليون إنسان يحتاجون الإطعام، فها هو المليار يطعمهم ويفيض، وهو وإن كان إطعاماً لوقت محدد، إلا أن هذه الزيادة تلفت أنظار الناس أجمعين للإسهام في إطعامهم حتى يسدوا جوعتهم في سائر الأوقات، وهذا أمر يسير لو أن المياسير في العالم كان لديهم مثل هذا الإحساس النبيل، فقد لفتت 200 مليون وجبة، إلى أن هؤلاء الفقراء يحتاجون مواصلة الإطعام وجبة بعد أخرى.

إن حقوق الإنسانية مما توالت الشرائع السماوية، بل الوضعية كذلك، على الاهتمام بها، وإعطائها حقها من البذل والإحسان.

والإسلام هو الرائد في ذلك حيث أوجب في مال الأغنياء حقاً للفقراء، من الزكاة، والكفارات، والنذور، والفدية المختلفة الأنواع، فضلاً عن حظه المتكرر بإقراض الله قرضاً حسناً، فيأخذ الفقير ذلك كله بيده، أمَّا الغني فإنه يضعه بيد الله تعالى، فينمِّيه له كما ينمي أحدنا فصِيله، كما ورد، وهذا ما ينبغي للإنسان أن يستشعره؛ غنياً كان أم فقيراً، فإن الله تعالى يدعو جميع عباده للإحسان لخلقه من القليل أو الكثير، بل لربما كان القليل أقرب للقبول من الكثير، وكما ورد «سبق درهمٌ مائة ألف درهم».

فشكر الله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، على هذه المبادرة العظيمة، ووفق الله الجميع للمسابقة للخيرات والتنافس فيها.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة