5 دقائق

الحياة الافتراضية

د. علاء جراد

أظهر الوباء العالمي إلى أي مدى تحوّلت حياتنا من المادية إلى الافتراضية، فمع إغلاق المدارس والجامعات ودور السينما والمسارح، بسبب الوباء، كانت الحياة الافتراضية هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى التعليم والأفلام والموسيقى والمسرحيات. مع إجبار المكتبات ودور النشر على الإغلاق، ارتفعت مبيعات الكتب الإلكترونية. أصبحت الأحداث العائلية والأحداث العامة افتراضية، حيث تتم الخطوبة وقراءة الفاتحة على منصة «زووم»، وأصبحت صفحات الـ«سوشيال ميديا» هي مكان المواساة وتلقي واجب العزاء والمجاملات، وأصبح الناس يكتفون بذلك، فتسمع عبارة «هنأته على الفيسبوك».

من الناحية الاقتصادية، انتشر الدفع غير التلامسي من دون نقود، حيث إنه أكثر ملاءمة من الأوراق النقدية والعملات المعدنية، وأقل احتمالاً لنشر الميكروبات. وتوسعت المبيعات الإلكترونية بشكل غير مسبوق، بل إن المحال العالمية، مثل «دبنهامز»، كان مصيرها الفشل والإفلاس، لأنها لم تُوجد «أونلاين» بالشكل الكافي، وظلت تعمل بالطريقة التقليدية، وقد انبهر العالم عندما بيعت إحدى اللوحات الفنية الرقمية المصممة بنظام التشفير الجديد NTF في مزاد كريستي بمبلغ قارب الـ70 مليون دولار أميركي، وتم دفع القيمة بالعملة المشفرة.

يبدو أن العالم سيغرق في الافتراضية أكثر وأكثر، ربما جيلي والجيل السابق له هم من يدركون الفارق بين الحياة الحقيقية الملموسة والحياة الافتراضية، ولكن الأجيال الجديدة لم تعش الحياة التقليدية الملموسة بالشكل الكافي، لذا فهم لا يدركون الفارق الحقيقي، والآن جاء عالم «الميتافيرس» وسط تكهنات بهجرة الكثير من البشر إلى العوالم الافتراضية، وقضاء وقت أطول في الحياة الافتراضية!

شيء عجيب ومحيّر ومحزن أيضاً، فكل ما يحدث الآن، وما سيحدث في المستقبل، يتنافى تماماً مع طبيعة البشر، فهل سيكون البشر سعداء بكل هذه التكنولوجيا؟ وهل سيجلب لنا العالم الافتراضي السعادة؟ كيف سيكون شكل الحياة بعد 20 سنة وأقول 20 وليس 50؟ كيف ستكون العلاقات الأسرية والحياة الاجتماعية؟ هل نحن فعلاً مستعدون لذلك وهل نرغب فيه؟ هل بيدنا شيء نفعله لإعمال العقل؟ هل تدرك حكومات العالم ما نحن مقدمون عليه؟ هل سنفقد إنسانيتنا إلى الأبد؟ هل سيظل هناك وازع ديني لدى البشر بعد كل هذا الانحلال والانفلات والبعد عن المولى عزوجل؟ لا أريد أن أرى الحياة بنظارة سوداء، ولكنه القلق والخوف، بل الرعب من القادم.

إنها تساؤلات وخواطر مرت بخيالي، بعد أن انتهيت من المحاضرة ربما العاشرة بعد المائتين، التي نفذتها «أونلاين»، ولكن هذه المحاضرة لم تكن افتراضية بسبب «كوفيد-19»، بل بسبب العاصفة «يونيس»، التي ضربت إنجلترا، وألزمت الجميع بيوتهم، وكنت قد وصلت مكتبي بالجامعة مبكراً، قبل أن تصدر «الأرصاد» الإنذار الأحمر بعدم التنقل أو السفر، وبالتالي بقيت في المكتب، وقمت بإلقاء المحاضرة من خلال منصة «زووم».

أصبح من الصعب التخطيط مسبقاً لأسبوع، بل ربما ليوم واحد فقط. ربما الشيء الوحيد الذي أشعر بأن من الضروري أن نفعله جميعاً هو أن نترفق ببعضنا بعضاً، وأن نعلم جميعاً أن الحياة قصيرة، فلابد أن نحاول أن نسعد بها، ونُسعد الآخرين قدر استطاعتنا، وعلينا ألا نفقد إيماننا مهما كانت الظروف والضغوط والمغريات.

• يبدو أن العالم سيغرق في الافتراضية أكثر وأكثر.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة