5 دقائق

قلة الأدب

د. علاء جراد

قد يبدو عنوان المقال غريباً بعض الشيء، لكن تلك هي الترجمة لكلمة باللغة الإنجليزية لا تستخدم كثيراً، وهي Incivility، فموضوع انعدام الكياسة أو الذوق أو ممارسة السلوكيات المتسمة بـ«قلة الأدب» أو عدم التحضر هو موضوع شائع، حيث قد نواجه السلوكيات المتسمة بالفظاظة وقلة الأدب في بيئة العمل، والمواصلات العامة، والمحال التجارية أو حتى مع بعض أفراد الأسرة الواحدة. الكلمة هي عكس كلمة civility، والتي تعني التحضر أو الكياسة. إن تأثير تلك السلوكيات السلبية قد يكون له آثار نفسية مدمرة في العمل، وفي أضعف الأحوال قد تؤدي تلك السلوكيات إلى أن يستقيل موظفون يتسمون بالكفاءة والجدية بسبب مدير لا يراعي الذوق ولا يحترم مشاعر الموظفين، ولا أتحدث هنا عن التنمر المنهجي، ولكن أتحدث عن سلوكيات أقل من التنمر، ولكنها جارحة وقد تكون مهينة أحياناً.

في مقال مهم بمجلة «هارفارد بزنس ريفيو» بعنوان «ثمن الفظاظة» اتضح تفشي تلك الظاهرة في بيئات العمل، بل إنها في ازدياد مستمر، وقد أجرت المجلة استطلاعاً لآلاف الموظفين حول كيفية معاملتهم في الوظيفة، وأفاد 98% بتعرضهم لسلوك غير حضاري، وقال نصفهم إنهم عوملوا بوقاحة مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، وفي معظم الحالات فالأشخاص الذين عوملوا بطريقة فظة كانت استجاباتهم سلبية، ولكن في بعض الحالات يتم الانتقام بشكل علني عندما يفيض الكيل. كما لوحظ أن تلك الطريقة في التعامل تجعل الموظف أقل إبداعاً، حيث يشعرون بعدم الاحترام، كما تضر الفظاظة بالعلاقات مع العملاء.

إن الفظاظة قد تكلف المؤسسة الكثير، وللأسف فعدد قليل جداً من المؤسسات تدركها أو تتخذ إجراءات للحد منها. قد يعتقد العديد من المديرين أن الفظاظة خطأ، لكن لا يدرك الجميع أن لها تكاليف ملموسة، ومن خلال استطلاع شمل 800 مدير وموظف في 17 صناعة لدراسة كيف تسير ردود أفعالهم، كانت النتائج التالية لمن نالتهم الفظاظة أو تعرضوا لسلوك يتسم بقلة الأدب، حيث إن 48% قللوا عمداً من جهد عملهم، 47% قللوا عمداً الوقت الذي يقضونه في العمل، 38% قللوا عمداً جودة عملهم، 80% أفادوا بضياع جزء كبير من وقت العمل بسبب القلق والتفكير في الإهانة التي تعرضوا لها، 63% أفادوا بضياع وقت العمل لتجنب الشخص الذي قام بتلك الإهانة، قال 66% إن أداءهم تراجع، قال 78% إن التزامهم تجاه المؤسسة تراجع، 12% قالوا إنهم تركوا وظائفهم بسبب طريقة المعاملة، و25% اعترفوا بإثارة إحباطهم والحديث عنه مع العملاء.

الموضوع جدير بأن يفكر فيه كل شخص وليس المديرين فقط، فكم منا تحدث بفظاظة مع زملائه في العمل أو مع أبنائه أو شريك الحياة، كم منا أظهر عدم احترام لموظف خدمة العملاء، أو لعامل التوصيل أو لطاقم الضيافة في الطائرة أو المطعم، وقد يكون لإهانة متمثلة في لغة الجسد وإشارة واحدة أثر سلبي أضعاف الكلام. جميل أن يراجع كل منا سلوكياته ويتأكد من عدم جرح مشاعر الآخرين، فبعض الجروح لا تندمل. أخيراً أشكر صديقي رأفت أبادير الذي ألهمني فكرة المقال.

• إن الفظاظة قد تكلف المؤسسة الكثير.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة