5 دقائق

مكانة العلماء عند الأمراء

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

للعلماء العاملين، والهداة المهديين، الذين يفعلون ما يقولون، ويأتون ما يأمرون، مكانةٌ عاليةٌ عند الله تعالى وعند الناس، بيَّنها الله تعالى في محكم كتابه في كثير من آيات الذكر الحكيم كقوله جل شأنه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، والاستفهام معناه النفي، أي لا يستوون، فهذا يأمر بالقسط ويدل على الخير ويحتاج الناس إليه في أمر دينهم ودنياهم، وهذا لا يفعل شيئاً من ذلك، فلا مقارنة بينهما، وفي هذا تنويهٌ وأي تنويه بشأن العلماء، ليعرف الناس قدرهم، ويستفيدوا منهم، ولا يحرموا فضل ما أعطاهم الله من الخير، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

ما لفضل إلا لأهل العلم إنهمُ * على الهدى لمن استهدى أدلاءُ

وفضلُ كلِّ امرئٍ ما كان يحسنه* والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

إن العِلم هو ميراث النبوة، فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، كما صح في الحديث، والمعنى أن العلماء هم الذين ورثوا النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال بعضهم:

العلم ميراثُ النبي كذا أتى * بالنص والعلماءُ هم وُرَّاثُه

وهذا الميراث هو الذي أبقى النبوةَ حاضرةً في مختلف الأعصار والأمصار، حتى بلغت ما بلغ الليل والنهار، فلم يبقَ بيت شجر ولا مدر إلا وصلته، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، وقامت عليه الحجة، فقد قام العلماء بواجبهم بتبليغ الناس رسالة الله تعالى كما أمرهم نبيهم عليه الصلاة والسلام بقوله: «بلِّغوا عني ولو آية» فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلَّ فعليها.

ومن هنا نعلم فضل العلماء الذين هم حُماة شرع الله تعالى، وهداة الناس إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض، فلا يعرف قدرهم إلا من عرف مهمتهم وكبير أثرهم في المجتمعات.

ومن أولئك الذين يعرفون قدر العلماء ويولونهم اهتمامهم قيادتنا الرشيدة، وشيوخنا الكرام حفظهم الله تعالى وأبقاهم ذخراً للأمَّة، كما عبَّر عن ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، يوم أن قابله معالي الشيخ عبدالله بن بَيَّه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي مع أعضاء المجلس، فقال: «أنتم لنا فخر» وهي كلمة بقدر الدنيا وما فيها، من ملِك الكلام، وسيد الحكام، الذي نهل وعلّ من مدرسة أبيه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، فقد كان يُجِل العلماء، ويمكن لهم في الأرض لبذل العلم ونشر المعرفة.

وورث أبناؤه وشيوخ دولته هذا التقدير الكبير للعلماء الربانيين، الذين يصلحون ولا يفسدون، فانعكس ذلكم التقدير لأفراد الشعب الإماراتي النبيل، حتى غدا العالِم في دولتنا المباركة محل تقدير وإكبار، فيكون لكلامه أثر في النفوس امتثالاً لشرع الله تعالى، وعملاً بما يرضي الله جل وعلا، فتراهم يرجعون إلى العلماء في أمور دينهم ودنياهم، كما أمرهم ربهم سبحانه بقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وهذا التكليف الإلهي لعامة الناس سبقه تكليف رباني للعلماء بالبيان للناس كما قال جل شأنه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ}، كل ذلك لأن شريعتنا جاءت شاملة كاملة مبينة لما يحتاجه الناس في قليل أمرهم وكثيره، وجليله وحقيره، فما فرط مولانا في الكتاب من شيء، بل فيه تبيانٌ لكل شيء، وإنما يعرف ذلك العلماء الذين تخصصوا في فهم الكتاب والسنة وكلام الأئمة، وساروا على منهاجهم في التوسع في الفهم، والنظر في مقاصد الشرع ومعرفة مآلات الأمور، وأدركوا سعة الشريعة ويسرها، وكل ذلك مما يحتاج معرفته كل فرد، وأنَّى لكل فرد أن يعرف ذلك! فإنه يحتاج إلى تفرغ وتخصص، لذلك عذر الله تعالى الكثير من عباده في المعرفة الذاتية، لكنه لم يعذرهم أن يسألوا العلماء عند الحاجة، حتى تكون معتقداتهم وعباداتهم وأعمالهم وِفق ما شرعه لهم، فهي مسؤولية عظيمة ملقاة على كواهل العلماء، وعليها تبعة كبيرة إن لم يقوموا بواجبها على النحو الذي يرضي الله تعالى، وإنما تكون المنزلة أو المؤاخذة بقدر المسؤولية، لهذا كله نجد أن منزلة العلماء رفيعة عند الله تعالى وعند رسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وعند المؤمنين، وعلى العلماء أن يقدروا منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، ويحذروا من تبعتها إن لم يقوموا بواجبها، فليس سواءً عالم وجهولُ.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة