5 دقائق

زهايمر من نوع فاخر

د. يوسف الشريف

كثيرة هي القصص والحكايات والروايات التي سمعناها أو قرأناها عن إنكار الجميل؛ زوج أو زوجة قد نسي أحدهما فضل الآخر عليه وكم مرة سانده ووقف بجانبه وقت المحن والشدائد وعندما صلُحَ الحال تغيّرت الأحوال، وأخ وقف بجانب أخيه في أزمته المالية وقطع اللقمة عن أولاده ليسانده، وعندما تغيّرت الأحوال قال هذا واجبه ناكراً فضله، وربما سمعتم عن ذلك الفنان المشهور الذي نسي تماماً فضل مكتشف موهبته ومخرجها إلى النور، وهذا حاله كحال الكاتب صاحب الكتاب الأكثر مبيعاً بعد أن أنكر جميل دار النشر الصغيرة التي آمنت بقلمه ونشرت له أول كتاب، وحال هؤلاء لا يختلف عن حال رياضي موهوب نسي فضل مدربه الذي سهر الليالي لتجهيزه وتدريبه وإخراج كل ما لديه قبل بدء البطولة، وقبل هذا كله شاب أنكر فضل والديه عليه ونسي كم هي الليالي التي سهرا فيها على رعايته وتربيته وتوفير حياة كريمة له.

القصص كثيرة كما أخبرتكم، ولكني نسيت أن أخبركم قصة ذلك الفنان الشهير الذي نسي فضل جمهوره عليه ووجدناه متكبراً متعجرفاً حتى أصابه جنون العظمة ولم يتذكر في حياته إلا أنه صانع المعجزات ونسي أن وراء نجاحاته فرق وعقول تعمل من أجله، ونسي أن سبب شهرته جمهور أحب أعماله فسمعها أو تابعها.

للأسف في مجتمعاتنا تنتشر هذه الحالة وتجد أشخاص يصيبهم زهايمر من نوع فاخر وينسون فضل أولئك الأشخاص على حياتهم وينسون معها الكثير من الذكريات والمحبة والمودة والصداقة والأخوة، وتجدهم ينكرون كل هذا وكأنه لم يكن تماماً، كمن أصابهم مرض الزهايمر، ولكن هؤلاء نسيانهم لم يكن سببه التقدم بالعمر، بل التأخر بالنضج، فعندما يكبرون سيجدون من يخذلهم وينسى فضلهم، حينها سيعرفون الكثير من الحقائق ويكتشفون بشاعة أفعالهم.

الشعور بنكران الجميل شعور صعب؛ شعورٌ بالخذلان يفقدنا العزيمة، خصوصاً لو كان هذا الإنكار من أشخاص مقربين منا ومحسوبين علينا، أو أتى من أشخاص أنت متأكد بأنك قد قدمت لهم الكثير، وأحيانا تكون من مجتمع بأكمله عندما ينسى بأنك قدمت لهم الكثير وأنت على رأس عملك بذلك المنصب المرموق، وعندما تقاعدت أصبحت بلا قيمة في عيون الناس، وربما يأتي نكران الجميل على شكل علاقات دبلوماسية، نعم؛ لا تستغربوا! ألم تسمعوا بتلك الدولة التي وقفت مع الأعداء في وجه الحلفاء؟ المشهد واحد وإن تغيّرت الأحجام؛ زهايمر من نوع فاخر.

للأسف هذا الأمر موجود بيننا والكثير منا عاش هذه التجربة القاسية؛ ولكن على الجهة الأخرى تجد من يقدر فضلك عليه، ولا ينكر بأنك وقفت بجانبه وأخرجته من أزمته ويأتي إليك شاكراً معبراً عن امتنانه لوقفتك بجانبه؛ هؤلاء من نريدهم في حياتنا، والبداية بأن تكون أنت ممن يتذكرون فضل الآخرين عليك، والأهم من هذا كله ألا تكون ممن يتمنن على الآخرين بما قدمته لهم، هؤلاء حالتهم صعبة، وسأترك لكم هذه المساحة لتردوا عليهم وتفهموهم غلطهم.

• نسيت أن أخبركم قصة ذلك الفنان الشهير الذي نسي فضل جمهوره عليه ووجدناه متكبراً متعجرفاً حتى أصابه جنون العظمة.

محامٍ وكاتب إعلامي

twitter.com/dryalsharif

www.ysalc.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة