5 دقائق

الفطرةُ السليمة ودعاةُ انحرافها

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

لم يخلق اللهُ تعالى هذا الكون عامةً والإنسان خاصةً عبثاً، بل خلق ذلك كله لحكمة؛ فأفعاله سبحانه وتعالى منزهة عن العبث واللعب، كما أخبرنا عن نفسه جل شأنه بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وكرر هذا المعنى مرتين بقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ* مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليعلم عباده بالغ حكمته في خليقته.

ومن حكمته جل في علاه أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، مع أنه من سُلالة من طين، ومن ماء مهين، فقوَّمه وعدَّله، وأحسن بِنيته، وكرَّمه بالعقل وأهَّله للعلم اللذين كانا سبباً لتميُّزه عن سائر خليقته، حتى أسجد له الملائكة الكرام الذين يعبدون الله ولا يفتُرون، ويطيعونه ويفعلون ما يُؤمرون، كل ذلك لكرامة ابن آدم عنده سبحانه.

ومن مقتضيات تكريمه سبحانه للإنسان أن ميَّز بين الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما خصائص ووظائف لا تزاحم الآخر: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فإذا تخلَّى ابن آدم عن تكريم الله تعالى له، فقد أهان نفسه.

ولا يتخلَّى ابن آدم عن هذا التكريم إلا بسبب انحراف خِلقي، فلا يرضى عن خلق الله تعالى له، فيعدِل إلى هوى نفسه؛ فتارة يعبث بصورته الحسنة، وتارة لا يرضى عن نوعه الذكوري فيريد أن يتأنّث، أو الأنوثي فيريد أن يتذكَّر، فيعبث بخلقته فسيولوجياً، وقد تطور هذا الانحراف ليشذَّ بالفطرة فينتحل الرجل مع ذكورته نِحلة الأنثى، والأنثى نِحلة الرجل، بما سمي بالشذوذ الجنسي الذي تأباه كل الخلائق، وهو أبعدُ مما قصده إبليس من تغيير خلق الله الذي أخذ العهد على نفسه بفعله لمن يستجيب له من الإنس.

والأعجب من ذلك أن لا يقف الأمر عند شذوذ الأفراد، حتى أريد لهذا الانحراف المقيت أن يكون مُقنّناً دولياً بمسمى الحرية الشخصية، وهذا يعني أن يتمالأ الملأ على العدوان على النوع الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه، فيفسدون هذا النوع الذي أراد الله تعالى له أن يكون كريماً متناسلاً تناسلاً طبيعياً في ضوء شرعه الذي يصون الأعراض والأنساب، إلى فناء التناسل أو تقليله على الأقل، أو العبث بتكوينه وبنيته، ومثل هذا يكون سبباً لأن يصبَّ اللهُ تعالى غضبه صباً على من يرضى بذلك، فضلاً عمن يفعله، كما فعل بقوم لوط الذين أمطر الله عليهم حجارةً من سجيل منضود، وجعل عالي الأرض سافلها عليهم حتى أهلكهم الله عن آخرهم، بسب ذلكم الانحراف الفطري الذي طالما نهاهم عنه نبيهم المرسل إليهم، وهو لوط ابن أخي نبي الله إبراهيم خليل الرحمن - عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام - وعذبهم ربنا سبحانه على هذا الفعل عذاباً لم يعذب مثله أحداً من العالمين، ومثل ذلك العذاب ليس بعيداً على من يشرعه فضلاً عمن يفعله، كما قال ربنا سبحانه: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}، وهو ما دل عليه حديث مسلم عن عبدالله بن بُريدة عن أبيه، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقض قومٌ العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قطُّ إلا سلط عليهم الموت».

وإن تعجب فعجبٌ أن يفعله مسلم أو مسلمة، ثم يتباهى بذلك، ويزعمُ أنه لا يناقض الإسلام، وهذا من المجاهرة بالمعصية التي لا يغفرها الله تعالى، كما روى البخاري من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف سترَ الله عنه».

إن القيم الأخلاقية والحفاظ على الفطرة الإنسانية من الأمور التي لم تختلف عليها الشرائع السماوية، ومحاولة تمرير تشريعات أُممية، تتنافى مع القيم، وتنتهك الفطرة السوية، لن تكون مقبولة لدى الإنسانية جمعاء، وستجد رفضاً قاطعاً من كل الناس، إلا من غلب عليه الانحراف، ومثل هذا سيبقى قصِياً في المجتمعات الإنسانية، إسلامية كانت أو غيرها.

نسأل الله أن يحفظ على عباده إنسانيتهم، ويقيهم شرور أنفسهم.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة