٥ دقائق

الربيع الأنور

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

هكذا يطلق الناس على ربيع الأول؛ لما كان فيه من مناسبة مولد سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإنه ولد عام الفيل قبل 1496 عاماً، أي قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بـ53 عاماً، وكانت ولادته، عليه الصلاة والسلام، إيذاناً بتغير حال البشر، من الوثنية الجاهلية إلى الملَّة الحنيفية ملة إبراهيم، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فبزغ نور الهداية مقترناً بولادته، كما روى الطبراني وابن سعد من حديث العِرباض بن سارية، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «أنا عبدالله وخاتم النبيين وإن آدم لمُنْجَدِل في طينته، وسأخبركم عن ذلك؛ دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأت حين وضعته نوراً أضاء لها قصور الشام».

فأمه آمنة بنت وهب، عليها السلام، رأت النور الذي شعّ في الكون عند ولادته؛ ليشعرها أن مولودها سينير الكون بالهداية الإلهية التي بعثه الله تعالى بها، وقال عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وإيذاناً بأن ظلام الجاهلية سينتهي بنور الإسلام الذي سيأتي به هذا المولود المبارك، عليه الصلاة والسلام، وهو ما يشير إليه قول الله جل ذكره: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾كما قال قتادة: يعني بالنور: النبي محمداً، صلى الله عليه وسلم، وكما قال الله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.

وقد اختار الله تعالى أن تكون ولادته في هذا الشهر الذي يُتفاءل باسمه، وكأن شريعته التي جاء بها هي ربيع القلوب فتحيا بالإيمان، كما أن فصل الربيع تحيا فيه الأرض الميتة فتخضر وتزهو بجمالها، كما يقول البحتري:

أتاك الربيع الطّلق يختالُ ضاحكاً * من الحسن حتى كاد أن يتكلما

هذا كما اختار الله تعالى له أشرف الأماكن وهو حرمه الآمن، وأشرف الآباء والأمهات، كما قال الله جل ذكره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عنتم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقُرِئ بفتح الفاء وكسر السين، ومعناها: لقد جاءكم رسول من أزكاكم وأطهركم، ويشهد لها قوله، عليه الصلاة والسلام، كما روى الطبراني من حديث ابن عمر: «... واختار من الخلق بني آدم، فاختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيارٍ إلى خيار»، وكما اختار له أفضل الشرائع وأشرفها، حيث جمعت كل الشرائع على ما فيها من التخفيف والرحمة، كما قال الله جل ذكره: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

فإذاً لا غرابة أن يكون لهذا الشهر مزية عند المسلمين الذين يتذكرون فيه أجلّ نعمة أنعم بها الله تعالى عليهم، وهي نعمة وجود هذا المولود، الذي اختاره الله تعالى لحمل أشرف رسالاته، وجعلهم أسعد الناس حظاً به، كما روى الإمام أحمد في مسنده: من حديث عمر، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه، وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين».

وكيف لا يتذكر المسلمون هذه النعمة وهم يعلمون أنه لولا وجوده وبعثته لكانوا في ضلال مبين، كما قال الله جل ذكره: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ضلال الوثنية التي كانت سائدة في الدنيا كلها، وكما هي الآن في كثير من بلاد الله الواسعة، التي أبى أهلُها أن يتنوروا بنور الهداية التي فطرهم الله عليها.

ونحن معاشر المسلمين ننعم بهذا النور الإلهي الذي جاء به خاتم النبيين، الذي بعثه الله على حين فترة من الرسل، وسماه الله تعالى سراجاً منيراً، والمناسبات الزمانية والمكانية تدعو الطبيعة البشرية لتذكرها وعدم نسيانها، وكما يشير إليه قول الحق جل ذكره: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾.

فهنيئاً لنا معاشر المسلمين بهذه الذكرى التي لا توازيها ذكرى في حياتنا، أعادها الله تعالى علينا باليمن والبركة.

• نحن معاشر المسلمين ننعم بهذا النور الإلهي الذي جاء به خاتم النبيين.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة