٥ دقائق

دبي تحتضن العالم

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ما أسعد هذه الإمارة في هذه الدولة المباركة حينما تحتضن العالم الاقتصادي والحضاري والثقافي، في مكان واحد، خصص لفعاليَّة عز نظيرها!

إنها مدينة دبي الفارهة جمالاً وحضارة، فهي التي آلت على نفسها إلا أن تكون رائدة المال والأعمال والاقتصاد الإسلامي، وهي التي نشد قائدها الرقم 1 في كل ما يمكن الوصول إليه عادة، فتحققت أمانيه بجدارة وفخار.

ها هو العالم أغلبه يجتمع في معرض إكسبو 2020، بحضور يقدر بنحو 25 مليون نسمة خلال ستة أشهر، فكانت كما قال بعض الحكماء:

وليس على الله بمستنكرٍ/‏‏ أن يجمع العالمَ في واحدِ

فها هي السياسة تجتمع مع الاقتصاد ومع الثقافة والفن في عالم واحد، ذابت فيه الفوارق القومية والشعوبية، وتوحدت فيه الإنسانية للعمل الذي يصلحها، فكل يقدم من الاختراعات والتقنيات الجديدة حتى يسهل انتقالها بين الشعوب بعد التعريف بها، وهو الهدف الذي تسعى إليه دولة الإمارات العربية المتحدة في العمل الإنساني المشترك، فدولتنا بحمد الله قد شغفت بالعمل مع العالم كوحدة متكاملة، فسعت جاهدة لهذا التسوق العالمي الكبير، وهو المكسب الكبير الذي انتزعته من براثن الأسد، لشدة التنافس في الاستحواذ عليه، لكن العالم أعطى ثقته للإمارات، وقبل رغبتها في استضافة هذا الحدث، وفضّلها على المنافسين الأقوياء؛ لما لها من سياسة خارجية حكيمة وسديدة، بقيادة رُبَّان السياسة الخارجية سمو الشيخ عبدالله بن زايد، الذي طاف الدنيا لضمان التصويت لصالح دبي في إقامة هذا الحدث العالمي الضخم، وأعلم العالم أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قادر على أن يحول رمال دبي وصحراءها إلى واحة فارهة الجمال والحسن، وطراز معماري فريد، يليق بطموحه الكبير، ويبهر العالم في زمن قياسي، فلم يخب ظن العالم، بل انبهر بسرعة الإنجاز وروعته.

هذه هي دبي التي عزمت على أن تكون لؤلؤة فريدة في العالم، فكان لها ذلك بكل جدارة، وها هي أبهرت العالم في الافتتاح الذي لم يشهد «إكسبو» في تاريخ دوراته المتعددة افتتاحاً مثله، وسينبهر أكثر حينما يتجول ساسة العالم ومسوسوه، صغيره وكبيره، في أرجاء المعرض المترامي الأطراف، الذي تتزاحم فيه الجماليات، ويتعدد الإبداع، فكل ردهة منه تنسي الأخرى.

إنها دبي التي حُوِّلت من إمارة ترابية إلى لؤلؤة فريدة في عالم البناء والتخطيط الحضاري، وما جاء كل ذلك صدفة ولا كان سهل المنال، لو لا فضل الله عليها ثم تلك الهمة القعساء للشيخ محمد بن راشد، الذي خطط بنفسه، وتابع بشخصه، وبذل ماله وجهده ليحقق الأماني العظام والأحلام الكبار، حتى رأى ما يُقِرُّ العين ويسر الخاطر، ويسر الصديق ويغيظ العدو، ولازال طموحه فوق ما هو كائن؛ لأن الهمة العالية لا تقف عند حد، كما لا يقف التقدم العلمي عند حد أيضاً، فهو يريد أن يساير التقدم الحضاري حتى يكون معه كفرسي رهان.

إن ما يشهده العالم في هذا المهرجان الاقتصادي والثقافي والسياسي الضخم يتعين أن يكون نواة لعالم متعاون على المصالح الإنسانية، تتبارى فيه الإنسانية على خدمة نفسها، وتسعى لنقل الخبرات وتبادلها بين بني البشر، وتنزع فيه الأنانية البغيضة، كما تفعله دولة الإمارات التي لا تدخر وسعاً في نقل الخير إلى الغير، ونفع القريب والبعيد، وتبذل ما لا يبذله غيرها لنفع الإنسانية، فلما كانت كذلك صب الله لها الخير صبا، وحفظ لها أمنها، وزادها من فضله وكريم نواله، كما هي سنته سبحانه في عباده الشاكرين.

ولئن كانت التجارة هي المحور الأساس في هذا المهرجان - وحق لها أن تكون كذلك - لأن تسعة أعشار الرزق فيها، وهي من أطيب المكاسب، إلا أن المكسب الإنساني بالتعارف والتآلف وتبادل الخبرات، الذي يتحقق من «إكسبو»، هو أهم من ذلك كله، وتلك غاية ربانية من خلق الإنسانية، كما قال ربنا جل شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فعلى الكل أن يجعل من هذه الغاية هدفاً له من هذا التجمع العالمي في بلاد الإسلام التي تدين بهذا الوحي الإلهي، وها نحن نسعى إلى تحقيقه تحت هذه القبة الشامخة البناء المكتملة الجمال.

أدم اللهم عز هذا البلد وقادته وشعبه، واجز شيخ العز خير ما جازيت راعياً عن رعيته.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة