٥ دقائق

رائدُ القرَّاءِ وتحدي القراءة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ليس غريباً على صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي - حفظه الله ورعاه - أن يكون اهتمامه بالقراءة كاهتمامه بالسياسة والاقتصاد والفضاء والمستقبل.. فذلك هو طموحه الكبير في شعبه وأمته العربية والإسلامية، بل وفي عالمه الإنساني، فهو رجل المعالي، لا يقبل عنها التواني، وكما قال بعضهم:

ذي المعالي فليعلونْ من تعالى/‏‏‏ هكذا هكذا وإلا فلا لا

وكل يوم يَرى من إنجازاته ما يسر سموَّه ويسر الآخرين أجمعين، ولا أدل على ذلك من نجاح هذا التحدي «تحدي القراءة»، الذي اشترك في دورته الخامسة 21 مليون متسابق من 52 دولة، وبإشراف 120 ألفاً، فإن هذا العدد الكبير من المتسابقين، والدول المشاركة، يدل على أن نَهم القراءة هو مطلب ومقصد كلِّ عاقل، فمتى وجدوا من يعينهم أو يشحذ همتهم إليه بادروا خفافاً، وجعلوها همهم الشاغل بحافز الفوز بالجائزة الضخمة التي يفوز بها الأوائل.

فما الذي دعا هذا القائد العظيم أن يحمل الناس على هذا التنافس الشريف المُنيف غير اهتمامه بأمته ولغته؟! فإنه لما رأى ما تعيشه الأمة من تأخر عن ركب الحضارة التي لا تنال إلا بثقافة عالية، ولا تدرك هذه الثقافة إلا بمثابرة القراءة والاستفادة من عقول الكُتَّاب المتقدمين منهم والمتأخرين، فإن الكاتب إنما يكتب ثمرة عقله ونتاج تجربته، فيعرضه على غيره لينتفع به غيره، أو ينتقد فيما كتب، فتتلاقح الأفكار وتنضج الثمار.

إن القائد المجيد هو الذي تكون همته بغيره حتى يسر بالغير فيما يتقدم به من رقي، ويكسب أجر نفعه، ويرى أن سعادته لا تكتمل إلا بسعادة الآخرين، فلذلك هو لا يألو جهداً، ولا يدخر وسعاً ولا مالاً لما ينفع الغير، وكما قال الشريف الرضي:

اشتر العز بما شئتَ/‏‏‏ فما العز بغالي

إنما يُكتسب المالُ/‏‏‏ لأثمان المعالي

ولئن كان القادة المخلصون يهتمون بشعوبهم، فلا يتعدى اهتمامهم حدود الشعب، لأنه الذي يُسأل عنه، ويكتسب شعبيته منه؛ فإن القادة العظام هم الذين يتخطون حدود جغرافية الوطن، ليكون اهتمامهم بأبناء قوميتهم، فضلاً عن النوع الإنساني كله، وهذا ما لم يسجله التاريخ لأحد كما يسجله لقادة الإمارات الذين يقدمون مثل هذه المشاريع النافعة، وهذا ما عبر عنه سموه في هذه الدورة بقوله: «ستبقى القراءة والمعرفة سلاح الأجيال وسلاح الشعوب في أوقاتها الصعبة، وسأبقى داعماً لكل قارئ ولكل شاب يسعى للعلم، ولكل مشروع ثقافي معرفي يمكن أن يساعدنا في استئناف الحضارة».

هذا هو طموح هذا القائد الرائد الذي يعرفه العالم بأنه رجل الإنسانية، ورجل الطموح غير المحدود، فأعطاه محبته وتقديره فضلاً عن ولائه وتقديمه.

إن مشروع تحدي القراءة يجب أن يكون مشروعاً إنسانياً تهتم به الدول المسؤولة، ويهتم به الفرد في نفسه، فيجب عليه أن يرقى إلى المعالي بذاته، ويسعى لها بكل ما أوتي من إمكانات؛ بسيطة كانت أو متطورة، لأن القراءة هي التي تجعله إنساناً فاعلاً ومفيداً، فإن المرء لم يخلق عالماً، بل خلق وفيه قابلية للتعلم، وكما قال ربنا سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فبالسمع والبصر والفؤاد يكتسب المرء المعارف التي يعرف بها وظيفته في هذه الحياة من معرفة الله تعالى وعبادته وعمارة الكون، وهي الوظائف التي يعيش بها سعيداً، ويسأل عنها، وإلا كان معدوداً من البهائم التي تعيش لتأكل وتشبع الغرائز فقط، بل قد يكون أضلَّ سبيلا؛ لأن هذا النوع من الخليقة ليس مسؤولاً عن شيء، كما قال ربنا جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.

فكان على الإنسان أن يهتم بنفسه ليرتقي إلى نور العلم، وذلك بأن يتعلم ويقرأ فيرقى إلى معالي الأمور، وكما قال الشاعر:

تعلَّم فليس المرءُ يولد عالماً/‏‏‏ وليس أخو علم كمن هو جاهلُ

وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

جزى الله صاحب التحدي ورجل المعالي الشيخ محمد بن راشد عن دينه ولغته وأمته خير الجزاء.

• «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة