5 دقائق

منطق التاريخ والسلوك البشري

عبدالله القمزي

عندما تعيش أسلوب حياة معيناً وتعتاده، فإن من الصعب عليك النظر خارجه، بل إنك ترى ما هو خارج هذا الأسلوب على أنه غير منطقي بتاتاً عليك وعلى من يعيشه. أسلوب الحياة قد يتمثل في نعمة الأمن والأمان التي إن عمّت مكاناً ازدهر كل ما فيه.

أسلوب الحياة قد يكون التطور الكبير في التقنية، وقد يكون في طريقة الملبس أو التفكير أو المعتقدات الدينية، أو القرارات الغريبة، وكلها تؤثر في السلوك البشري.

في القرون الماضية، كانت فكرة التنقل والسفر بين المدن بمثابة مغامرة إلى المجهول المرعب، واليوم توجد صناعة قائمة عليها تسمى سياحة. في القرن الـ19 وما قبله، كانت فكرة سفر المرأة وحدها ضرباً من الجنون، ومن شبه المؤكد أنها لن تعود، بسبب الحروب المستعرة في مناطق معينة، أو وجود قطاع طرق، أو ظروف جوية فتاكة، أو وحوش سائبة، تتغذى على ما تجده في طريقها.

منطق حياة القرن الـ19 مثلاً يبدو ضرباً من الخيال لمنطقنا اليوم، وبالعكس، فلو تخيلنا أن شخصاً عاش من 200 عام بيننا اليوم لظن أننا نحن المجانين!

من الغرائب التي نظر إليها مؤرخو اليوم سفر لويسا آدمز، زوجة جون كوينسي آدمز، السفير الأميركي في موسكو، ورئيس الولايات المتحدة في ما بعد، من سانت بترسبيرغ إلى باريس عام 1815، ومن خلال ما رأته في رحلتها من دمار للممتلكات والأراضي، إلا أنها شاهدت نساء مسافرات وحدهن دون قوافل ولا رجال، ومن هنا خلص المؤرخون إلى أن ذلك العام كان بداية حقبة أمان في أوروبا، بدأت بعد هزيمة نابليون، واستمرت قرناً كاملاً من الزمن.

كانت جيوش ذلك القرن تلبس ثياباً ملونة ومزركشة، أحمر وأزرق وأخضر وأصفر، لأن منطق ذلك العصر فرض ذلك، فكرة الجيش البريطاني كانت سهولة تمييز الجندي من العدو باللون الأحمر، وإخفاء بقع الدم التي على الملابس، للمحافظة على معنويات الجنود.

وعندما جاء القرن الـ20 بحربه العالمية الأولى، فإنه أبطل منطق القرن الـ19، الذي بدا غير عملي، بسبب التطور الشديد في سلاح المدفعية، الذي أجبر الجنود المشاة على تغيير ملابسهم إلى اللون الأخضر الغامق، بديلاً للأحمر الفاقع أو الأزرق، ليسهل عليهم التخفي في الغابات والمزارع، احتماء من قذائف المدافع. هناك تفاوت في توقيت تغيير الدول ملابس جنودها، وفقاً لتجاربها العسكرية.

وهذا المنطق ذاته هو ما تسبب في ما عُرف بحرب الخنادق في الحرب العالمية الأولى، عندما لم تتمكن الجيوش المتقاتلة من التقدم قيد أنملة، واختبأ الجنود في خنادق يطلقون مدافعهم طوال سنوات الحرب.

لم ينه حرب الخنادق سوى المنطق الجديد، وهو اختراع الدبابة للوقاية من سلاح المدفعية بنهاية الحرب نفسها، وهو ما نقل تلك الحرب إلى المرحلة التالية.

موقف:

أحياناً لا يحتاج المنطق إلى قرن لينقلب إلى نقيضه، بل 24 عاماً فقط! فقد تحوّل الجنرال الفرنسي فيليب بتان من بطل حرب، بعد انتصاره في معركة فيردون عام 1916، إلى خائن، بعد اقتناعه بخسارة فرنسا الحرب أمام الفوهرر هتلر، وتوقيعه الهدنة عام 1940، وتسليمه جزءاً من البلاد إلى النازيين.

• خلص المؤرخون إلى أن عام 1815 كان بداية حقبة أمان في أوروبا، بدأت بعد هزيمة نابليون، واستمرت قرناً كاملاً من الزمن.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر