5 دقائق

الصيام مدرسة أخلاقية

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

الصوم مدرسة أخلاقية عريقة، بعراقة الشرائع السماوية، فإن جميع أحكامه وآدابه أخلاقية صِرفة، وقد كانت الغاية من تشريعه تزكيةَ النفس حتى تصل إلى مرتبة التقوى، كما قال المولى جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾أي لتنالوا به مرتبة التقوى، التي هي من أعظم مراتب الإيمان، فإنها المرشِّحة لنظر الرحمن جل شأنه لعبده نظر رحمة وتفضل وإحسان، فإنه سبحانه لا ينظر إلى الأجساد والصور، بل إلى القلوب والأعمال، كما صح في الحديث «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» وأشار بأصابعه إلى صدره»، وفي رواية «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

- ولا ينال الصائم التقوى إلا إذا تحلّى بمكارم الأخلاق، فهي التي تجعل الصوم حقيقياً حساً ومعنى.

والتقوى هي التي رتب الله تعالى عليها مراتب الجنان ومنازل الرضوان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، وقال عز شأنه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، وقال تقدّست أسماؤه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾، وقال عز من قائل ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.

إلى غير ذلك من آيات الذكر الحكيم المنوهة بمنازل المتقين عند رب العالمين، وما أعد الله تعالى هذه المنازل إلا ليُحِلَّها عباده المتصفين بصفات التقوى، فشرع لهم ما يعينهم على حصول تلك المنازل بهذه الفريضة العظيمة التي تهذب الأخلاق وترشحها لمرتبة التقوى؛ كما قال سبحانه: ﴿لعلكم تتقون﴾ولعل من الله تعالى واجبة؛ لأنه إطماع من جواد كريم سبحانه، فلم تكن على بابها من الترجي والتوقع، والمعنى: ليحصل لكم التقوى بالصيام.

ولا ينال الصائم التقوى إلا إذا تحلى بمكارم الأخلاق، فهي التي تجعل الصوم حقيقياً حساً ومعنى، وذلك بدوام المراقبة لله تعالى فينزجر عن المحرمات، ويثابر على الطاعات؛ لأنه متلبس بالصيام الذي هو طاعة لله رب العالمين، وقد أعانه الله على ذلك بتصفيد الشياطين ومردة الجن، كما ورد في الحديث: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن..»، والشياطين هم أقوى وأشرس أعداء المرء الذين يغوون بني آدم، كما تعهد بذلك أبوهم الأكبر يوم أن قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وإذا كان كذلك مدة شهر كامل وهو بعيد عن المحرمات، مثابر على الطاعات؛ فإن جوارحه سترتاض على الطاعة وتبتعد عن المعصية، وهذه أولى ركائز التقوى التي ينالها الصائم.

وإذا حقق المرء معنى الصيام بترك فضول الكلام وسيئه الذي يهدم فضل الصوم وعظيم أجره، كما بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فلتقل: إني صائم، إني صائم»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «الصيام جُنَّة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين»، إذا حقق ذلك فإنه سيترقى في مكارم الأخلاق، فلا يقول الزور ولا يغشى الفجور، وهذا هو الصوم الحقيقي الذي يتقبله الله تعالى ويثيبه عليه عظيم الثواب، كما قال في الحديث القدسي: «وأنا أجزي به»، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: «الفم والفرج»، وورد من حديث أم الدرداء رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال: «أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن»، ومن حديث أم حبيبة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أنه قال: «ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة».

والتقوى التي يورثها الصيام هي التي تكسب الأخلاق الحسنة، التي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمّم مكارمها كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة