5 دقائق

حملة 100 مليون وجبة لـ 100 مليون فقير

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

إطلاق حملة 100 مليون وجبة لـ100 مليون فقير، التي أطلقها صاحبُ السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله ورعاه، تُعد من أهم الحملات والمبادرات العظيمة التي يتحف سموّه بها الإنسانية واحدة بعد أخرى، وتتميز هذه الحملة بأنها تحسست البطون الجائعة لإشباعها وسدّ خلتها في هذا الشهر الكريم شهر المواساة والبر والإحسان.

- إن الالتفات للبطون الجائعة وتحسّس آلامها هو من مقاصد الصوم وحِكَمه.

إن الالتفات للبطون الجائعة وتحسّس آلامها هو من مقاصد الصوم وحِكَمه؛ حيث يشعر الغَني بحاجة وجوع أخيه الإنسان الفقير، فيعطف عليه بما تجود به نفسه، ولقد جعل الله تعالى العطف على البطون الجائعة لإشباعها من أجلّ القربات إليه سبحانه، كما قال جلّ شأنه:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}، والعقبة هي جبل في جهنم – أعاذنا الله جميعاً منها – لا يتجاوزها من دخلها إلا بفك الرقاب، أو إطعام الفقير المحتاج قريباً كان أو بعيداً، والمعنى: هلاَّ اقتحمها بما يقدمه في دنياه بمثل هذا العمل القليل الذي رتب عليه هذا الجزاء العظيم، وهذا ما يبادر إليه عبادُ الله الأبرار المقربون الذين وصفهم الحق سبحانه بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.

وإنما كان هذا الأجر العظيم على هذا البذل الذي قد يكون قليلاً لمن هو ميسور؛ لأن هؤلاء الفقراء الذين يتضوَّرون جوعاً هم من عباد الله تعالى، وقد جعل الله تعالى أرزاقهم بيد بعض عباده الآخرين، فمن عطف عليهم فإنه يضع صدقته في يد الله تعالى فينمِّيها له، ويوجب له مغفرته وعفوه وعافيته، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تصدق بعِدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فُلُوَّه، - يعني فصيله - حتى تكون مثل الجبل» أي في عظمة الأجر، وهذا من جود الله تعالى وكرمه؛ فإنه سبحانه إذا قبل من عبده العمل أجزل له الثواب؛ لأنه سبحانه جواد كريم، بل إن الله تعالى جعل ما يعطى لعباده الفقراء واصلاً يده سبحانه كما ورد في الحديث القدسي المخرج في صحيح مسلم وغيره: «يا ابن آدم استطعمتُك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي».

وهؤلاء الفقراء من بني الإنسان يستطعموننا كلَّ وقت ونحن نسمع تألُّمهم بالجوع، ونرى أجسادهم الضامرة وبطونهم الجائعة، فما هي حُجَّتنا عند ربنا إذا عاتبنا بمثل هذا العتاب الذي تحار فيه الألباب؟

وها هو قد فُتح لنا الباب بنفع أنفسنا، والتقرب إلى ربنا سبحانه بالإسهام في هذه الحملة المباركة التي ستصل حتماً إلى تلك البطون الجائعة، فلا ينبغي التردد عن المساهمة فيها، لاسيما ونحن في شهر الجود والإحسان، فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر أجودَ بالخير من الريح المرسلة، وهو عليه الصلاة والسلام أسوتنا في أخلاقه وأفعاله، كيف وقد رغبنا بعظيم أجر الصدقة في هذا الشهر كما ورد «من فطَّر فيه صائماً كان له عتق رقبة، ومغفرة لذنوبه»، «ومن أشبع صائماً كان له مغفرة لذنوبه، وسقاه الله من حوضي شربةً لا يظمأ بعدها أبداً حتى يدخل الجنة، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئاً».

إن هذه المبادرة هي في الحقيقة فتحٌ لباب التنافس في الخيرات لكل الناس، فكل واحد يستطيع أن ينافس فيها بما تجود نفسه من نوافل الصدقات أو الزكوات المفروضات، ولربما كان التنافس من الفقير سابقاً لما يجود به الغني، فرب درهمٍ يسبق ألف درهم، لأنها من الفقير «جهد من مقل»، وكما قال المقنع الكندي:

ليس العطاءُ من الفضول سماحةً ... حتى تجود وما لديك قليلُ

جزى الله من أطلق هذه الحملة خير الجزاء، وجزى الله من أسهم فيها بقليل أو كثير، وربنا سبحانه «لا يضيع أجر المحسنين».

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة