5 دقائق

اقتصاد «الدوناتس»

د. علاء جراد

كثيراً ما يكون لدينا فضول لمعرفة بعض المعلومات عن الاقتصاد والأداء الاقتصادي للدول، وكثيراً ما نسمع عن الدخل القومي، الناتج القومي، نصيب الفرد والمؤشرات الاقتصادية، سواء للمؤسسات أو الحكومات، ويعتبر كتاب آدم سميث «ثروة الأمم» من أمهات الكتب التي أرست قواعد علم الاقتصاد الكلاسيكي، ولكن في العقود الثلاثة الأخيرة ظهرت طفرات واحتياجات كثيرة، ربما لم يكن أحد ليتخيلها في الماضي القريب، حيث زاد الاهتمام بالاستدامة، واهتمت الحكومات أكثر بتلبية حاجات الشعوب، كما أصبحت هناك مسؤولية مجتمعية على مجتمع الأعمال والمؤسسات كافة، ومن ثم ظهرت الحاجة إلى إطار عمل وإعادة النظر في مبادئ ونظريات علم الاقتصاد. ومن هنا ظهر اقتصاد الدونات Doughnut Economy

من منا لا يحب «الدوناتس»، نعم كعكة الدونات الجميلة، التي اختارتها الخبيرة الاقتصادية كيت راروث، الأستاذة بجامعة أكسفورد، لتكون عنوان النموذج الاقتصادي الأشمل والأكثر تكاملاً من أي نموذج آخر، حيث يراعي النموذج كل الاحتياجات لجميع المعنيين، ولو تخيلنا كعكة الدونات الدائرية فسنجد لها إطاراً داخلياً وإطاراً خارجياً، سعت مؤلفة النموذج لأن يكون الإطار الداخلي ممثلاً لاحتياجات البشر كافة، ووضعت 12 احتياجاً، هي الطاقة، الماء، المساواة بين الجنسين، الإسكان، الشبكات، الأمن الغذائي، الصحة، التعليم، حرية التعبير، الدخل، العمل، السلام والعدل والمساواة الاجتماعية. أما الإطار الخارجي للكعكة فيشمل ما تحتاجه الأرض، وما يحمي كوكبنا في ضوء النظريات العلمية، ويتناول تسع قضايا محورية، هي استهلاك المياه العذبة، تصحر الأراضي، فقدان التنوع البيولوجي، تلوث الهواء، ثقب الأوزون، التغير المناخي، تحميض المحيطات، التلوث الكيميائي وتحميل النيتروجين والفوسفور.

ويمكن تخيّل الإطار الخارجي بمثابة السقف الذي يحمي البشرية، وفي الإطار الداخلي ما يحتاجه البشر للعيش حياة كريمة تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة، إذن في المنتصف، حيث العجين اللين والمحمي بالإطار الداخلي والخارجي، يوجد المناخ الملائم لأن تعيش البشرية، وهذا ما يجب على المؤسسات والحكومات العمل نحو تهيئته واستدامته.

لقد لاقى هذا النموذج نجاحاً كبيراً وقبولاً، خصوصاً في أوروبا، وبدأت بالفعل بعض الدول والمدن في تبنّيه، حيث إنه إطار مرن يمكن للمدن تبنيه، ولا يشترط للدول ككل، وقد كانت أمستردام عاصمة هولندا أول مدينة تتبنى هذا النموذج في أبريل 2020، خصوصاً أنه النموذج الأمثل لاقتصاد ما بعد «كوفيد-19»، نظراً للتوازن الكبير بين احتياجات البشر، وفي الوقت نفسه المحافظة على كوكب الأرض.

وقد استعرضت قناة العربية موضوع اقتصاد الدوناتس العام الماضي، ونوهت بأن هذا بالضبط ما يجب على جميع الأشخاص والمدن والبلدان في العالم القيام به، لأنه فقط من خلال التركيز الحقيقي على الرفاه الاجتماعي بالتوافق مع الصحة البيئية يمكننا الحد من انتشار الأوبئة المدمِّرة في المستقبل، وضمان مستقبل اقتصادي مزدهر للجميع.

• كعكة «الدونات» الجميلة، اختارتها الخبيرة الاقتصادية كيت راروث، الأستاذة بجامعة أكسفورد، لتكون عنوان النموذج الاقتصادي الأشمل.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة