5 دقائق

رحمك الله يا أبا راشد

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

لا ريب أن الموت حقٌ، وأن ساعة كلِّ واحد من الخلق آتية لا ريب فيها، ولا ريب أنا ملاقو ربِّنا سبحانه وتعالى بأعمال، لا بصور وأجسام، ولا ريب أن ربنا سبحانه يتقبل الحسنات ويثيب عليها الكثير، ويجازي بالسيئات ويعفو عن كثير، الكل يعلم ذلك، فمنهم من يعمل بمقتضى علمه هذا، فيحب لقاءَ الله ويحب الله لقاءه، ومنهم من يتلهَّى عنه بعُلالات الدنيا وزخرفها وفتنها فلا يصحو إلا عند ملاقاته ربه، وفقيدُنا اليوم حمدان بن راشد آل مكتوم من الذين علموا فعمِلوا لمثل هذا الموعود، عمِل بخفاء، وعمل بوفاء، وعمل بإتقان، وعمل بإخلاص، فلم تُلهِه الدنيا التي أدار خزائنها بحفظ وعلم، وأشاد حضارتها بإحكام وكمال، لم تلهه عن العمل ليوم لقاء الكريم المنان سبحانه، بل عَمَّر الدنيا وزرع للآخرة، فلم تلهه دنياه عن الصلاة وذكر الله، ولم يفتنه جمعها عن أداء حق السائل والمحروم، ولم يتشاغل برعيته عن اليتامى والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل، ولم يقصر عطاءه على إطعام الجائع وكسوة العاري ومداواة المرضى، بل شمل التعليم الذي هو البناء الحقيقي للإنسان، فلا يحصى كم نفع به في القارة الإفريقية والآسيوية والأوروبية، فضلاً عن العربية، فكم شيّد من مدارس ومعاهد ومراكز وجامعات، خرجت الآلاف المؤلفة الذين أصبحوا أطباء ووزراء ورؤساء ومهندسين ومهنيين، وغير ذلك من مخرجات التعليم. فكان كما قيل في عمر بن عبدالعزيز رحمه الله:

- الشيخ حمدان بن راشد عرف أن الحياة يجب أن تكون حياةً نافعة للمرء في دنياه وآخرته.

فلا هو في الدنيا مضيعٌ نصيبه/‏‏ ولا بدينه عن دنياه مشغولُ

الشيخ حمدان بن راشد عرف أن الحياة التي يعيشها المرء يجب أن تكون حياةً نافعة للمرء في دنياه وآخرته، فنَفع الدنيا بالعمارة التي أرشدنا ديننا لها، لينتفع بها المستخلفون في الأرض، وينتفع بها الحيوان الذي خلقه الله تعالى لمصلحة ابن آدم، وينتفع بها كل ذي كَبِد رطبة، وينتفعون بها اليوم وبعد اليوم، فكل ذلك مما أُمِرنا به بمقتضى الاستخلاف الإلهي للإنسان، ونفعها له في آخرته، فعل كل ذلك محتسباً عند ربه، لا مبتغى له من ورائه غير رضوان ربه الذي استقرض عباده الموسرين ليضعوه في يد عباده المعوزين، فيضاعف لهم الجزاء أضعافاً مضاعفة.

الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، عرف كل ذلك، فعمل به وقدم به لربه الكريم الذي لا يضيع عنده عمل عامل، الذي لا يضيع أجر المحسنين، الذي لا تضيع لديه مثقال ذرة، الذي أعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات الفردوس خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً، الذي إذا قدِم عليه عبده المؤمن المطيع أنزله منازل الأبرار، وأقعده مقعد الصدق، وألبسه حلل الكرامة، الذي يكره مساءاتِ عبدَه إلا أن الموت مكتوبٌ على خلقه.

ها هو الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، قد فارق الدنيا بمثل هذه المحاسن التي عملها في دار العمل، وسيبقى يكرم بثوابها في دار الجزاء، وهي عزاؤنا بفقده، وسلوتنا على وحشة فراقه، إلا أن الذي لا يُعوض عندنا هو ذلكم الصدر الرحب الذي كان يقبل به على جلسائه، وتلك الملاطفة والمؤانسة التي يقبل بها على جلاسه، وتلكم الدار المفتوحة لمحبيه وزائريه وقاصديه، أما مواقف الخير، ومواقف الدفاع عن الحق، ونصرة المظلوم، وحماية الضعفاء، فالأمل معقودٌ أن لا تُفقد عند خَلَفه البررة، الذين يبَرون أباهم بالتحلي بشيمه، والسير على منهجه، والتأسي بمكارمه، فإن من أبر البر صلة الرجل أهل وُد أبيه بعد أن يولي، كما صح في الحديث، وجاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، يقول: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما ــ أي الدعاء لهما ــ والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما».

إن شعب الإمارات عامةً، وأهل دبي خاصة، ومن نالهم إحسان هذا الرجل الكريم من سائر البلدان؛ قد رُزؤا رزءاً كبيراً بفقده، فحالهم كحال من قيل فيه:

لعمرُك ما الرَّزيِّة فقد مالٍ * ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ

ولكن الرزية فقد حُر * يموت بموته خلق كثير

رحمك الله يا أبا راشد، وأسكنك فراديس الجنان، وأنزلك منازل الرضا والرضوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة