5 دقائق

أهميةُ حوار الأديان والثقافات

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

عقد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ووزارة الأوقاف المصرية المؤتمر 31 في الفترة من 13 - 14 مارس الجاري، بعنوان «حوار الأديان والثقافات»، وكان مؤتمراً حضورياً، كسر نمط التباعد الكوروني المفروض على الناس لأكثر من عام، شارك فيه عدد كبير من 37 دولة إسلامية، وبعض شخصيات غير إسلامية، لإحياء الحوار البنَّاء الهادف الذي ينشده الجميع للوصول إلى كلمة سواء في التعايش الإنساني، والتعاون الدولي، والتواصل بين بني الإنسان، فإن هذه الأمور هي منشودة كلِّ عاقل يعرف للحياة معنى، وللإنسانية رسالة، ولا يمكن أن تعرف هذه المعاني إلا من خلال حوار مباشر يوصل للغير رسالة سلام ووئام وتعايش، ويرفع وغَر الصدور، وشحناء القلوب المفضيين إلى التفاني، أو العيش البغيض على أقل تقدير.

ونحن معاشر المسلمين أصحابُ رسالة عالمية، منهجنا الأول في التعامل البشري هو السلام، ومبتغانا إحياء الأرض إيماناً بالله وحده، وعبادته مخلصين له الدين، وعمارة الأرض بما يسعد الإنسان، وشعار تعاملنا بين بني الإنسان الأخلاقُ الكريمة التي نتعايش بها بوئام واحترام، وهذا المنهج قد خَفي على غيرنا، فحمَّلنا مسؤولية الغوغائيين المسيئين للإسلام بأفعالهم المنكرة، وللمسلمين بتحميلهم تبعاتٍ هم بُرَآء منها، فلا سبيل لانتزاع ما علِق بأذهان غيرنا عنا من سوء، وما ترتب على ذلك من بغضاء وشحناء، إلا بحوارات بنَّاءة، توضح منهج الإسلام في الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والقول الحسن الذي أُمرنا به مع عموم الناس، وبالإنصات إليهم كما نحب أن ينصتوا لنا، ونقيم الوزن بالقسط في التعامل معهم فيألفوننا ونألفهم، ويسمعون منا ونسمعُ منهم، فإن أفضى ذلكم الحوار إلى القناعة بما نحن عليه من الهدى والخير فذلك هو المراد، وإلا فنسلم شرهم ويسلمون شرنا، وكما قال ربنا سبحانه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. وقال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

إن الحوار أصلٌ من أصول الدعوة الإسلامية، فضلاً عن كونه نهجاً حضارياً بين البشر، فإغفاله في عالم اليوم المليء بالفتن وما يعرف بـ«فوبيا الإسلام» سيزيد من عزلة المسلمين، وتزداد أذيتهم وكراهيتهم، وستكون التهمة أصلاً فيهم لا البراءة الأصلية، فيتعين أن يعاد إحياؤه اليوم كما كان بالأمس، وأن تقام له أنشطةٌ متكررة ومتعددة في كل دول العالم، حتى يحيا ويصبح ثقافة إنسانية، وهو ما أراده المؤتمر المذكور.

وذاك ما سبقت إليه دولة الإمارات منذ نشأتها على يد رجل الإنسانية، الشيخ زايد، طيب الله ثراه، الذي جعل التسامح مع الآخر والتعايش السلمي بين الأمم منهجاً لسياسته الحكيمة، وسار على نهجه خليفته، الشيخ خليفة بن زايد، حفظه الله، ونائبه ورئيس حكومته حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد، وولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الشيخ محمد بن زايد، وإخوانهم حكام الإمارات.

فأصبح الحوار البنّاء مع أطياف البشرية مؤسسياً برعاية الدولة، حرسها الله، من خلال منتدى تعزيز السلم، برئاسة رجل الحوار وحامل راية العلم في السلام والوئام الشيخ عبدالله بن بيَّه، الذي عمَر حياته بنشاطه الحواري والدعوي مع أرباب الملل والنحل المختلفة، وفي سائر العواصم الغربية على مدى عقود حياته المباركة، وما يقوم به هذا المنتدى من حوارات بنَّاءة في مؤتمراته السنوية، وما توصل إليه من ميثاق مراكش لحماية حقوق الأقليات غير المسلمة، المقتبس من ميثاق المدينة المنورة، على صاحبها أزكى الصلاة والتحية، ومن إقامة حلف الفضول لنصرة المظلومين، وقد أصبحا من وثائق الأمم المتحدة.

وكذلك ما تقدمه الدولة، أعزها الله، من خلال مجلس حكماء المسلمين، برئاسة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، الذي أقام حوارات متعددة مع أرباب الديانات المسيحية واليهودية في عواصم متعددة من العالم الغربي، وما أقامه من وثيقة الأخوة الإنسانية، التي وقّعها كل من الإمام الأكبر رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان، والتي أصبحت من وثائق الأمم المتحدة، وجعلت يوم توقيعه 4 فبراير يوم الأخوة الإنسانية.

إلى غير ذلك من الأنشطة الحوارية المستمرة مع الآخر، حتى غدت دولة الإمارات مضرب المثل للتعايش السلمي، والتعريف بمنهج الإسلام ونقائه، فمن رام أن يخدم الإسلام فليسلك مسلك الحوار البنّاء بأصوله وآدابه حتى يؤتي ثماره.

وبالله التوفيق.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة