5 دقائق

الإنابة إلى الله مطلوبة من عباد الله

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يخاطب الحقُّ سبحانه عباده بقوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}، ومعنى النوب: رجوع الشيء مرة بعد أخرى. يقال: ناب نوْباً ونوبة، وسُمِّي النحل نُوْباً لرجوعها إلى مقارِّها، والمراد بها هنا هو الرجوع إليه سبحانه بالتوبة وإخلاص العمل.

- ما أحوجَنا في هذه الدنيا الفانية وفتنها المتلاطمة وزخرفها الزائل إلى الإنابة التي تكون سبباً لسعادة دنيوية وأخروية.

وقد تكرر هذا المعنى في الذكر الحكيم إشادةً بالمنيبين لربهم؛ لأنهم عرفوا ما للإنابة من الفضل فبادروا بها حتى يتجاوز عن سيئاتهم ويبدلها حسنات، ويرفع درجاتهم، كما وعدهم سبحانه، وهو ما يقتضيه كرمه جلَّ شأنُه مع عباده الضعفاء الخطائين، وعباده المخلصين.

وفي معنى الإنابة: التوبةُ التي أوجبها الله تعالى على جميع عباده، كما قال سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، في آيات كثيرة يأمر الله تعالى بها عباده، فالتوبة هي المدخل للوصول إلى الإنابة، فمن لا توبة لَهُ لا تصح لَهُ الإنابة، وقد أجمع العلماء على وجوب التوبة من كل ذنب، صغيراً كان أم كبيراً، ولم يُستثن وجوبها عن أحد من عباده؛ لأنها إما أن تكون عن ذنب فتمحوه، أو زيادة في الرجوع إليه سبحانه، كما كانت من المعصوم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فيزداد بها رفعة عند ربه سبحانه.

إلا أن الإنابة تعني شيئاً آخر، وهو كثرة الرجوع إلى الحق سبحانه في كل حال وعلى كل حال، فهي صفة وحال أولياء الله المقربين، وهي من أعمال القلوب خاصة، ولذلك قالوا: إن التوبة ثلاث مراتب؛ أولها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها الأوبة، فالتوبة بداية، والأوبة نهاية، والإنابة واسطتهما، فَكُل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة، ومن تاب طمعاً في الثواب فهو صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب أَوْ رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة، ولذلك جاءت الإنابة وصفاً لخيار عباد الله الصالحين، كما في قوله سبحانه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}، ولم يتصف بها على وجه الخصوص إلا خليل الله إبراهيم عليه السلام، الذي وصفه ربه سبحانه بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}.

ومع هذه المنزلة الخاصة لأهل الإنابة فإننا نجد مولانا سبحانه يأمرنا جميعاً بها ليحملنا عليها حملاً، فنكون من أهلها بالفعل أو القوة، وذلك بالسعي لها ومجاهدة النفس من أجلها، فإن وفقنا لها فذلك هو المراد، وإلا كان لنا أجر المنيبين بإخلاص النية في طلبها وصدق إرادتها، كما ورد في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: «إن بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر».

فالسعي والإرادة والإخلاص في طلبها كل ذلك في يد العبد المخاطب بها؛ فإن الله تعالى لم يخاطب بها عباده عبثاً، بل لإرادته سبحانه منحَهم إياها إن هم شمروا عن ساعد الجد في طلبها، فمن قصر في السعي إليها كان معرَّضاً لسخط مولاه سبحانه وعذابه، كما دلت عليه الآية: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}.

والمرءُ ما عاش ممدودٌ له أملٌ في هذه الحياة؛ ينبغي أن يكون سعيه للإنابة مقصداً لا يتخلى عنه، وذلك دليل سعادته في الدنيا والآخرة، كما ورد في حديث جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة».

نعم هي رزق من الله سبحانه، ولكن الرزق لا يأتي إلا بسعي، كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}.

وما أحوجَنا في هذه الدنيا الفانية وفتنها المتلاطمة وزخرفها الزائل إلى الإنابة التي تكون سبباً لسعادة دنيوية وأخروية، ومن شق عليه السعي لها بنفسه فليجالس المنيبين لربهم، الصادقين بأقوالهم وأحوالهم، فإنهم يقودونه إلى مراد الله منه، كما قالوا:

وصحبة الأخيار للقلب دوى/‏‏ تزيد في القلب نشاطاً وقُوى

وصحبة الأشرار في القلب عمى/‏‏ تزيد في القلب السقيم سقما.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنابة، ويجعلنا من أهل الاستقامة بمنه وكرمه سبحانه.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

 

طباعة