مساحة حرة

كلنا أفراد.. بين التمكين والمساواة

فيصل محمد الشمري

المرأة هي نصف المجتمع لمن أراد أن يرى الكوب نصف فارغ. إن التاريخ والتربية والحضارات علمتنا أن المرأة أساس المجتمع، وركيزة تطور الحضارة وقوامه، فأبيات حافظ إبراهيم:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها... أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا... بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى... شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

لم تكن مجرد أبيات كتبت لتنال تصفيق جمهور في مناسبة، بل هي انعكاس لحقيقة يتعامى البعض عنها، ويتجاهلها، فهي روح المكان وهي الأم والأخت والزوجة والمعلمة والمربية، وتتعدد الأسماء والصفات، لكن تبقى هي صمام أمان الأسرة والمجتمع، وبوصلة تطوره وركيزة استقراره.

لقد حظيت المرأة في وطننا بحقوق مستحقة، آخرها حق المساواة في الراتب، فهي لا تقل عطاء أو إخلاصاً عن الرجل، بل في أحيان كثيرة تفوقه مهارة، خاصة عند تنوع المهام وتزامن تنفيذها، كما تمتاز بالتفاصيل الدقيقة وتميز الأداء، وهو الأمر الذي يسوّل للبعض أن يسعوا للتخلص من كفاءات متميزة أو يتنمروا عليهم بغية إحباطهم أو الانتقاص من نجاحهم، وهو الأمر الذي لا يفسره إلا عقدة نقص وضعف الشخصية.

إن ضمان مكتسباتنا الوطنية وتطور حضارتنا ونهضة مجتمعنا تعتمد على البناء وعلى ثمرة عطاء المرأة، وحماية هذه الجهود موثقة بقرارات سيادية، لم تقتصر على أن نكون أكثر حكومة بها مناصب وزارية نسائية أو تمثيل برلماني مميز أو قوانين وضوابط تشريعية ومؤسسية تضمن حقوقها، وإنشاء مجلس للتوازن بين الجنسين مع مؤشرات كمية وأخرى نوعية، لكن أيضاً نحتاج لبناء ثقافة مجتمعية وأخرى مؤسسية وآليات لحوكمة السلوكيات الهدامة، ومعالجتها ومساءلة مرتكبيها.

إن إعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1975 بوصفها السنة الدولية للمرأة، ومن ثم إعلان السنوات 1976 - 1985 بوصفها عقد الأمم المتحدة للمرأة، توّجها المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة، الذي عقد في بكين عام 1995 بخطوات أكبر، منها إقرار منهج عمل حقوق المرأة بوصفها حقوقاً إنسانية أصيلة، والتزام باتخاذ إجراءات محددة لضمان احترام هذه الحقوق. وللاحتفاء بالذكرى السنوية الـ25 لإعلان ومنهج عمل بكين دلالة راسخة على توجّه إنساني لإقرار حق المرأة، وهو ما أثبتت دولتنا ريادتها فيه وتطلعاتها لأن تكون المرأة الإماراتية صانعة قرار وبانية حضارة، وهو الأمر الذي يستوجب ألا نكتفي بقبول أي عنصر نسائي يرشحه ذكوري، لا لشيء إلا لملء جدول نسب التمكين والمساواة بين الجنسين، بل يجب التحقق من كونها الأجدر بين جميع المرشحين من الجنسين (ذكور أو إناث)، وأنها تستحق أن تصبح نبراساً إنسانياً ونموذجاً للمواطنة الإيجابية الإماراتية يحتذى به من الآخرين.

فالمحاباة قد تتحول وتأخذ شكل «الحرباء» لظلم الآخرين. إن دوامة إحباط المرأة أو انتقاص جهدها ظاهرة موجودة يجب محاربتها والدفع بمسببيها للانقراض، وعلى قلتهم فهم يمتازون بالقدرة على التلون، فمنهم من يعين المرأة المُسَيرة ويدعمها للبروز على حساب قيادية فذة معطاءة، لا لشيء إلا لخوفه من قدراتها، وهذا أسوأ الأنواع الذي يجيد التلون بحجة أنه داعم للمرأة، لكنه فعلياً يحارب نجاحها بسوء اختياره ومراهنته على محدودية قدرات الخيار الأقل جدارة أو الأسوأ بغرض أن يقول: «أخذت المرأة فرصتها، ولكن».

إن الحقيقة المدفونة تكون أنه أسوأ من الذي يحرم الكفاءة من فرصتها لحساب المحسوبية والواسطة أو القبلية، فالثاني سريع الانكشاف، بينما الأول يتمتع بمكر ودهاء قد يتسبب في تخريب بيئة العمل وانتقال وصمة محدودية القدرات لظلم أخريات.

كذلك قد نرى صنفاً آخر من الذين يتهمون المرأة قوية الشكيمة القيادية بأنها عدوانية، لا تتمتع بصفات عضو الفريق وتخرب عمل الآخرين، بينما لو قام رجل بتصرفاتها لوصف بأنه قائد فطري، يتمتع بما يحتاجه العمل وضمان تطوره، لكن الحقيقة أن الفارق بين الاثنين لا يعدو أن يكون جنس الفرد، كما أن ذلك يثبت خوفاً مبطناً من المرأة قوية الشكيمة، ويتوجهون لمحاربة نجاحها وظهور إنجازاتها، فكلنا أفراد، وكلنا نستحق أن نرى المساواة والتمكين والعدالة الوظيفية تتحقق.

- مستشار إداري داخلي غير مقيم في مركز الإمارات للمعرفة والاستشارات بكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة