5 دقائق

العام الدراسي الجديد في زمن «الكورونا»

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من ألطاف الله تعالى بعباده أنه سبحانه لا يأخذ شيئاً منهم إلا ويعوّضهم، ما يخفف ألمهم عما أخذ، فإذا أصاب عبده بمصيبة عوّضه خيراً منها، وقد يكون العوض أخروياً، وقد يكون دنيوياً، فإن كان أخروياً، فالعوض هو الأجر العظيم المترتب على الصبر والاحتساب على ما أصاب المرء، كما قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي لا يعده ملَك ولا يتصوره خاطر، وعندما يجد المرء ذلكم الأجر يتمنى أن لو زادت مصائبه حتى يضاعف له الأجر، سواء كانت المصيبة مرضاً، أو فقد أحباب، أو فاقة، أو فوت مطلوب، أو خوف مرهوب.

وإن كان دنيوياً عوضه ربه سبحانه، ما يخفف عنه من ألم ذلك المصاب، بما يقوم مقام المفقود ولو بأدنى درجات الكمال؛ لأن ربوبيته سبحانه تقتضي، تفضلاً منه وكرماً، فعل ما يصلح شأن مربوبيه بما تقتضيه حكمته وتختاره مشيئته، لا كما يريد العبد؛ فالعبد لا يعرف ما يصلح حاله عاجلاً أو آجلاً.

ومن ذلك ما نعيشه هذه الأيام في العام الدراسي الجديد مع هذا الوباء الجارف المقيت، الذي لايزال جاثماً على العباد، يتغوَّلُهم، ويفرق جمعهم، وينهش اقتصادهم.

وقد شل حركة منتصف العام الدراسي الثاني من السنة الماضية، ولايزال يتمدد إلى الفصل الدراسي الأول من هذه السنة، وما ندري بعد ذلك ما يكون، ونسأل الله السلامة والعافية.

وقد كان من لطف الله بأبنائنا وبناتنا في انقطاعهم عن المدارس والاتصال المباشر بالتربية والتعليم، أن عوضهم التكنولوجيا المرئية والمسموعة التي حققوا بها النجاح في العام المنصرم، ولعلهم يحققون بها نجاحاً آخر في هذا العام، ونسأل الله أن يعجل بالفرج.

فقد قامت هذه التكنولوجيا بدور المدرسة حضوراً في فصول متسعة الأرجاء، وأساتذة مرئيين من خلال الشاشات الإلكترونية، فنهل الطلاب والطالبات من مناهجهم المعدة لهم بمختلف مراحلهم وتخصصاتهم، نهلوا المعارف التي اعتادوا أخذها في الفصول من خلال شاشاتهم الخاصة في بيوتهم، وكأنهم على كراسي الدراسة الخاصة، فلم يكن هناك فرق كبير في التلقي مع هذه الوسائل التقنية، بل كانت كافية لجبر خلل الانقطاع عن المدارس، فكانت رحمة من الله تعالى بأبنائنا، ورحمة بأولياء الأمور والعاملين في حقل التعليم من مسؤولين وإداريين، فلم نشعر جميعاً بالحسرة والأسى في انقطاعهم عن التعليم، عدا فقد الشطر الأول من التعليم وهو التربية السلوكية التي يقتبسها الطلاب من مدرسيهم ومربيهم في المدارس، التي تكون بالمحاكاة والنظرات والمعاملات التربوية الخاصة المؤثرة، فهي التي لم يُعوضوا عنها من خلال الشاشات.

وهذه النعمة تقتضي شكر الله تعالى أولاً، الذي هدى عباده لصناعة هذه التقنية المفيدة، وشكر حكومتنا ممثلة بالقيادة ورجال التربية والتعليم، التي وفرت بنية تقنية راقية تحسباً لمثل هذه الكوارث.

وتقتضي كذلك حسن استخدامها في ما ينفع، كما استخدمت في جبر خلل التعليم المباشر، ومكنت من مواصلة العمل وحضور الاجتماعات وإقامة الندوات والمؤتمرات والدروس والعظات، التي تتطلب عادة حضوراً قد يكون شاقاً، فضلاً عن كثير من النفقات، وإهدار كثير من الساعات في سبيل تهيئة مثل ذلك كله.

وعلينا ونحن مازلنا في دوامة هذا الوباء، وقد تجدد العام الدراسي، المدرسي والجامعي، أن نجعل هذه التقنية أكثر نفعاً لتحصيل أبنائنا وبناتنا العلم النافع، وذلك بإعانتهم على التعلم النافع والاستفادة القصوى من مراحلهم الدراسية، فنهيئ لهم الجو المناسب البعيد عن الصخب، والوقوف على رؤوسهم متابعةً لهم في التلقي كما يقوم المدرس في الفصل، فإن صغارنا إن لم نقف معهم وهم في غيابة عن رقابة المدرسة، فسيتفلتون عن المتابعة والنشاط؛ لما هم عليه من حب اللهو وعدم الشعور بالمسؤولية.

وعلينا كآباء وأمهات أن نتابع واجباتهم معهم ومع مدرسيهم، بحيث لا يكون هناك تقصير من قبلهم، كما لا يكون تقصير من المدرسين، ذلك أن هذه الوضع يحتم على الجميع التكاتف على تحقيق النجاح في التعليم عن بعد، فإن المسؤولية مشتركة، وقد تكون مسؤولية الأسرة موازية لمسؤولية المدرسة على حد سواء.

والله نسأل أن يعجل بالفرج على عباده، ويرفع الوباء، ويحل العافية بمنِّه وكرمه سبحانه.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة