5 دقائق

مبدأ المعاهدات في الإسلام

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

الإسلام دين ودولة، فقد عُني بمصالح الدنيا كما عُني بمصالح الدين على حد سواء، فجاءت نصوصه ومقاصده تُشَرِّع للدين والدنيا معاً، مع إعطاء مساحةٍ كبيرة لولي الأمر يصلح بها أحوال رعيته وأمته بحسب مقتضيات المصالح المعتبرة شرعاً، كما يشير لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».

- ما من سبيل لاستقرار السلام إلا معاهدات الأمان، وعدم الاعتداء، التي تمكن الناس من التعايش والانشغال بما ينفعهم.

ومن هنا كانت الأوامر الإلهية في أمر السلم والحرب موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم باعتباره الإمام الأعظم والقائد الملهم، فيقول له مثلاً: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ويقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فوجّه خطاب السِّلم وخطاب المعاهدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره إمام المسلمين وقائدهم في السلم والحرب؛ وأن له النظر الكامل في ذلك، فهو الذي أبرم المعاهدة مع المشركين باختلاف قبائلهم، ومع اليهود والنصارى باختلاف طوائفهم، فدل على أن أمر المعاهدات والاتفاقيات هي في نظر ولي الأمر الذي أنيطت به نظرية المصالح المرسلة للأمة، وأسلم له ترتيب أولويات السياسة الشرعية، وهذا مما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، وقد أصلوا لذلك تأصيلاً شرعياً أسموه السياسة الشرعية، وألفوا في ذلك مؤلفات خاصة كما فعل الإمام الماوردي ت 450هـ في الأحكام السلطانية، وأبويعلى الفرَّاء ت 458هـ في الأحكام السلطانية، وأبوالمعالي عبدالملك الجويني ت 478هـ في غياث الأمم والتياث الظلم، وتقي الدين ابن تيمية ت 728هـ في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وابن قيم الجوزية ت 751هـ في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية وغيرهم كثير، وكلامهم لا يختلف في أن السياسة الشرعية هي بيد ولي الأمر؛ تأسياً بما شرعه الله تعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، حيث نسب المعاهدات إليه وأفضى بنقضها عليه.

ولو علم المسلم مواثيق رسول الله عليه الصلاة والسلام ومعاهداته مع مختلف الطوائف لأدرك أنها أتت للمسلمين بكل خير، فهذا صلح الحديبية الذي كان مُراً في قلوب المسلمين غدت عاقبته رشداً، حيث كان هو الفتح المبين لمكة، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أشد حرصاً عليه مع قدرته على فتح مكة عنوة آن ذاك، لكن باستحلال الكعبة والبيت الحرام، وهو إنما يريد فتحها بسلام ووئام فقال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»، وقبل ذلك وثيقة المدينة وصحيفتها التي كانت عند مقدمه المدينة؛ فإنها كانت حجر الزاوية لبناء الدولة من غير عوائق تذكر، وبينهما المعاهدات مع القبائل العربية حول المدينة التي أمَّن فيها عاصمة الدولة وأمته من غائلة الأعراب، وكل ذلك كان من مشكاة المسالمة والتراحم التي هي أصل دعوته عليه الصلاة والسلام، وهذه نتيجة حتمية للصلح والمصالحة كما قال الله جل ذكره ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، فإن الألف واللام فيه لاستغراق الجنس، فما من صلح وإن كان على مضض إلا كانت عاقبته خيراً وبركة، ومن أعرض عن الصلح فإنه يندم على فواته ندماً شديداً، وما من سبيل لاستقرار السلام إلا معاهدات الأمان، وعدم الاعتداء، التي تمكن الناس من التعايش والانشغال بما ينفعهم.

وقد كانت تلك المعاهدات النبوية تغيراً جذرياً لنمط الحياة العربية التي كانت قائمة على أساس التفاني والنهب والسلب وأكل القوي الضعيف، فكانت تقوم الحرب الضروس على ناقة أو خشية معرَّة فتستمر 40 سنة، لا لغرض يذكر، بل لأجل قبيلة تظهر، وكل ذلك خلاف شرع الله تعالى، فإنه إنما خلق عباده لتوحيده وعبادته وعمارة الأرض، لا للإفساد فيها، كما هو حال الأمة اليوم من التفاني والدمار، وذلك لما بعُد الناس عن منهج الله تعالى الذي شرعه لهم، وحثهم عليه.

ولئن قامت القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة بإحياء هذا المنهج النبوي السمح بالاتفاق مع الإسرائيليين على السلم ورد ما يمكن رده من الحقوق المنهوبة التي عجزت العرب مجتمعة أن تسترد شيئاً منه بالقوة؛ فإنه يعتبر إحياءً لمنهج النبوة التي كانت معاهداتها جالبة الخيرات للأمة المسلمة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة