5 دقائق

الإمارات بلد السَّلم والسلام

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ليس غريباً على قيادة الإمارات العربية المتحدة أن تعلن نهج السَّلم والمسالمة مع القريب والبعيد، ومن عُرف وأُلف ومن أُنكر وأَجحف؛ فهي التي أرست قواعد حكمها على منهج السَّلم المستقى من منهج الإسلام العظيم الداعي إلى السَّلم كافة، وإلى التعايش البشري والتعاون الاجتماعي بين الناس، فالإسلام هو القائل ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، أي إن مالوا إليه فمل إليه؛ لأن الإسلام دين رحمة وليس دين نقمة، فمهما وُجد للرحمة سبيل فلا مجال لوضع الشدة مكانها، وهو ما كان عليه هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأمرائه ورسله، وحول هذه الآية يقول الإمام القرطبي في تفسيره (8/‏‏‏ 40): «وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه. قال: وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وقد صالح الضَّمري وأُكَيْدر دَومة وأهل نجران، وقد هادن قريشاً لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده. ومازال الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة».

- الإمارات لا يعنيها التشغيب الذي يقوم به من لا يفقهون في السياسة حديثاً، ولا يُعنَون بمصالح الأمة.

هذا هو منهج الإسلام الذي سلكته بل أحيته دولة الإمارات في الصلح مع إسرائيل من أجل حفظ حقوق دولة فلسطين أولاً، والمصالح المشتركة ثانياً، فقد حققت بالأحرف الأولى منه ما لا يمكن تحقيقه بتبادل العداء مع ما لدى إسرائيل من الاستقواء، فمازالت القتلى من الشعب الفلسطيني تمجُّ دماءها من غير إِرَب ولا مكسب، حتى أتى هذا الصلح فسيكون فتحاً مبيناً للقضية الفلسطينية شاء من شاء وأبى من أبى بحوله وقوته تعالى.

دولة الإمارات دولة مسلمة مسالمة تسعى لنفع الناس كل الناس أياً كانوا ومن كانوا؛ لأن الإنسان هو المستخلف في هذا الكوكب ليعبد الله ويعمر الأرض بما ينفع لا بما يضر، ولذلك هي تسهم في هذا المجال بكل غال ونفيس، ولا تدخر جهداً ولا مالاً، ولا تألو قصداً في ذلك لتحقيق رسالتها ومنهج سيرها الذي أرساه مؤسس الدولة الشيخ زايد طيب الله ثراه؛ ذلكم الرجل الإنساني الذي عرف بين البشرية بأنه رجل السلام والوئام والمحبة للأنام.

فلا بِدع أن ينهج خلفاؤه من بعده منهجه، فهو عهده لهم، وهو وفاؤهم له، فلذلك اتخذت القيادة الرشيدة هذه الخطوة المُثلى التي تحقق مقاصد شرعية، ومكاسب وطنية فلسطينية في المقام الأول، ومكاسب عالمية ثانياً.

إن الإعلان عن الاتفاق مع الدولة الإسرائيلية هو اتفاق شريف منيف، سبقته اتفاقات مماثلة لدول أخرى لم تحقق أي مكاسب تذكر للشعب الفلسطيني، كما يحققه هذا الاتفاق، وهو اتفاق علني ليس كالتفاهمات الخفية التي أودت بمصالح الفلسطينيين والأمة العربية، هو اتفاق سلام الشجعان الذين آلوا على أنفسهم أن لا يكونوا من وراء الستار، بل بالجهار ووضح النهار، هو اتفاق يحفظ للشعب الفلسطيني ما بقي من مساحة أرضه دون تجريف أو اغتصاب، سيحقق له شيئاً من مراده الذي فقده طيلة سني نضاله.

ها هي الإمارات اليوم تعيد لهم شيئاً من حقوقهم إن هم قبلوا بذلك، وإن لم يقبلوا فإن الجانب الإسرائيلي ملزم وملتزم لدولة الإمارات أن لا يزيد تجريفاً وتغولاً في الأراضي الفلسطينية، وستأتي الأجيال القادمة تحمد ما فعلته دولة الإمارات لهم وما قدمته لهم من خير.

الإمارات لا يعنيها التشغيب الذي يقوم به من لا يفقهون في السياسة حديثاً، ولا يُعنَون بمصالح الأمة بقليل أو كثير، يهمها العمل الذي يشهد بنجاحه التاريخ ويصل نفعه للناس حالاً ومآلاً، فلذلك خطت هذه الخطوة الجبارة التي باركها الشعب الإماراتي كله والشعوب الحرة غير المنضوية في أيديولوجيات المصالح والانتماءات الضيقة، الشعوب التي تعرف أن الحق المنشود لا يكسب بالعواطف والشعارات، بل بالعمل الجاد المخلص الذي تحركه المسؤولية السياسية والمجتمعية والاقتصادية والعالمية، وهو ما تنهجه وتتقنه الإمارات العربية بقيادة رُبَّان ماهر، وحكيم باهر، وأسلوب فاخر، فهنيئاً لهذه القيادة هذا الإنجاز الكبير الذي حققته لأمتها وشعبها وحاضرها ومستقبلها، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة