5 دقائق

بين الأيديولوجيا والمصلحة

جمال الشحي

ترسم الدول سياساتها الخارجية، عموماً، وفق مصالحها الوطنية، وما يدر عليها من قوة واستقرار وأمن. وعلاقة السياسة بالمصالح الوطنية الكبرى لا تلغي اعتراف الدول بأهمية القوانين الدولية، التي تنظم العلاقة بين الدول والسلم العالمي. وهذا الجانب يعني الالتزام العملي والأخلاقي بمبادئ التعايش بين الشعوب.

في المقابل، هناك بعض الدول التي نسميها «الدول الأيديولوجية» (مشتقة من كلمة idea في اللغة اللاتينية القديمة)، والأيديولوجية هي الدولة التي تبني سياساتها انطلاقاً من منظومة أفكار تبشيرية، تحاول عبر أساليب كثيرة نشرها!

هناك خطر واضح ومباشر من الدولة الأيديولوجية على المجتمعات، وعلى نفسها، يتمثل هذا الخطر في طرح مفاهيم وأدوات من الماضي واستخدامها في الحاضر، لإخفاء نزعات توسعية وطموحات استعمارية، ما يستنزف قدرات المجتمع الذي يريد أن يعيش المستقبل، وعلى سبيل المثال الدولة الإيرانية وتبنيها الفكر الأيديولوجي في طرحها السياسي، الذي يعرِّض المنطقة للخطر وعبث الحروب التي لا تنتهي، وأهم مشكلات الفكر الأيديولوجي هي عدم تعامله مع الواقع، فالدول الواقعة في هذا المسار هي دول غير واقعية، كما في الحالة اليمنية، إذ يستمر الدعم الإيراني للميليشيات المسلحة، والواقع يقول باستحالة أن تحكم اليمن ميليشيات مسلحة، لكن الأيديولوجيا الإيرانية تستمر في إشعال فتيل الحرب.

هناك الكثير من المصطلحات الأيديولوجية الزائفة، بدءاً من الحاكمية بأمر الله، وفكرة الخلافة التي يشترك فيها النظام الإيراني، والفكر «الإخواني»، الذي يلغي فكرة الدولة المركزية وسيادة الدول.

هذه المقدمة تشير إلى أن سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة لا تتأسس على أي نوع من الأيديولوجيا، بل على المصالح العليا للدولة، دون المساس بالعلاقات العربية المصيرية.

لهذا.. لا يمكن النظر إلى الاتفاق بين دولة الإمارات وإسرائيل من زاوية أيديولوجية، وانطلاقاً من مفهوم التطبيع.

«فمصطلح التطبيع هو مفهوم أيديولوجي»، ولا يفسر علاقة الإمارات بإسرائيل.

فالعلاقات بين الدول، كما قلنا، تتحرك وفقاً لقواعد المصلحة والمنفعة المتبادلة.

أما مفهوم التطبيع كمصطلح، فقد خرج بعد اتفاقية السلام بين جمهورية مصر ودولة إسرائيل، وبدا التطبيع كحالة شعبية وليس سياسية، يعبر عن رفض أطياف من المجتمع المصري التعامل مع دولة إسرائيل من منطلقات كثيرة، لكن الاتفاقية تم توقيعها ولاتزال مطبقة إلى يومنا هذا.

والتطبيع لا يصلح في تفسير استراتيجية الدولة بحماية مصالحها، لذلك لايزال الخطاب المصري والأردني في الوقوف مع الحق الفلسطيني هو هو، لم يتغير، رغم العلاقات الدبلوماسية. في المقابل، لاتزال السلطة الفلسطينية تقيم أفضل العلاقات مع مصر والأردن، اللتين تضمان سفارتين إسرائيليتين على أراضيهما.

الإمارات العربية المتحدة دولة عربية، تضع نصب عينيها تحقيق أعلى درجات التقدم في كل مجالات الحياة، فِي ضوء هذا الهدف الاستراتيجي، تخوض تجربتها التنموية الناجحة. فالاتفاقية بين دولة الإمارات ودولة إسرائيل لا يصلح تفسيرها أيديولوجياً، بل ينطلق من فهم الطرفين لمصالحهما الاستراتيجية .

والاتفاق لم ينسَ الحق الفلسطيني بـــ(وقف الضم)، وكما كانت دائماً ستقف الإمارات مع الشعب الفلسطيني وستدافع عنه، ولو تأمل الإخوة الفلسطينيون المردود الإيجابي لما تم في الاتفاق، لبادروا بتعزيز العلاقات الإماراتية - الفلسطينية، عبر إرسال وفود ومندوبين للخروج بصيغة ولغة مشتركة.

أما خطاب ما يسمى دول الممانعة وحركاتها الأصولية، فإنما يدل على عجز واقعي وتبرير أيديولوجي لهذا العجز.

ودولة الإمارات تمضي في استراتيجيتها دون الدخول في صراعات زائفة لا طائل منها، لا مع هذا الطرف أو ذاك، بل تمد يد العون إلى جميع الشعوب العربية، التي تسعى نحو التنمية والتقدم، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.

jamal.alshehhi@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة