كـل يــوم

المرموم.. معجزة الصحراء.. لماذا؟

سامي الريامي

عندما نستخدم مصطلح «معجزة الصحراء» على محمية المرموم، فإن ذلك ليس من باب المبالغة، بل هي فعلاً تستحق ذلك، وما حدث من تغير جذري في هذه المنطقة، هو عمل صعب، قد يرقى إلى درجة المستحيل، قليلون من يعرفون تفاصيله، فلماذا تعتبر محمية المرموم حقاً «معجزة الصحراء»؟!

قبل أقل من خمسة عشر عاماً، كانت هذه المنطقة الشاسعة صحراء جرداء قاحلة، لا ترى العين فيها سوى كثبان رملية، خالية من أي زرع أو شجر أو نبت أخضر، يكسوها اللون الأصفر عن بكرة أبيها، ولا لون أو شيء غيره إطلاقاً، لا يعيش فيها حيوان، ولا يطير فوقها طير، ولا يجد البشر «عوداً»، ليستظلوا به!

«عود شربوا» هو العود الوحيد البارز في هذه المساحات الكبيرة، وهو عبارة عن شجرة غاف، ظلت صامدة وحيدة لفترة من الزمن، حتى أصبحت نقطة التقاء، وعلامة يستدل بها سكان المنطقة، هي «النيشان» الوحيد لهم، ثم ما لبث أن سقط هذا العود، بعد أن فقد الأمل في وجود حياة بهذا «البر» الشاسع.

اليوم، تحولت المرموم إلى جنة خضراء، بل إلى لوحة فنية في عمق صحراء دبي، فأصبحت أكبر محمية صحراوية غير مسورة في الدولة، وبعد أن كانت جرداء لم ينبت فيها سوى «عود شربوا»، تضم الآن أكثر من 250 ألف شجرة محلية، من 44 نوعاً، فهل يتصور عقل بشري أن هذه المنطقة التي لا يستطيع أي إنسان أن يمكث فيها لساعات قليلة، تحولت اليوم لتصبح منطقة جذب، يخرج الناس لأجلها من بيوتهم في المدينة، ليستمتعوا بجمالها وظلها ومناظرها الطبيعية الخلابة! لو أننا قلنا هذا الكلام لأحد سكان المنطقة قبل عشرة أعوام لاتهمنا فوراً بالجنون!

الإعجاز ليس فقط في استقطاب البشر، وتحويل الصحراء إلى واحة غنّاء، بل في قدرة هذا المكان، بعد إعادة هندسته، على استقطاب الحيوانات والطيور، حيث تجمع المحمية أكثر من 220 نوعاً من الطيور المستوطنة، والمهاجرة، التي لم تستوطن هنا من قبل، أبرزها الحبارى، الذي أفقس بيضه بطريقة طبيعية، وأخرج فراخه في ظاهرة تعتبر نادرة على مستوى العالم، حيث من المعروف أن هذا الطائر لا يبيض ولا يفقس بيضه إلا في موطنه الأصلي، ومجرد أن يفعل ذلك في المرموم، فهذا يدل على مدى شعور هذا الطير بالأمن والأمان والاندماج مع المكان، لذلك الأمر أشبه بالمعجزة حقاً!

الحبارى ليس الطائر الوحيد الذي استوطن المرموم، بل هناك طائر الزرزور الذي يستوطن إفريقيا، إضافة إلى ذلك تضم المحمية العديد من الحيوانات البرية، مثل الريم، والمها العربي، وأكثر من 22 نوعاً من الزواحف، والأهم من ذلك أن المحمية تضم الآن 56 بحيرة أشهرها بحيرات القدرة، وبحيرة الحب، وبحيرة إكسبو، بعد أن كانت خالية تماماً من قطرة ماء واحدة!

كل هذا التحول، الذي لا يكاد يصدقه عقل، كان وراءه رجل واحد فقط، لم يكن هناك مخططون ولا استشاريون دوليون، ولا فرق عمل هندسية وبيئية، رجل واحد صنع بإصراره هذا كله، واستطاع تحويل منطقة المرموم إلى منطقة سياحية بيئية، يتوافد إليها أكثر من مليون زائر سنوياً، هو وحده من خطط لها، ومن هندسها، وأمر بكل تفاصيلها، وشيد بيئة آمنة مريحة للطيور والحيوانات، يتابع كل شيء، ويرصد كل شيء، حتى وفر الأمن والأمان لطيور الحبارى، فأفقست بيضها، وأخرجت فراخها، وهي مطمئنة، كما وفر الأمن والأمان لجميع البشر في المدينة، حيث يخرجون ويتركون صغارهم وهم مطمئنون، إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله.

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة