5 دقائق

وللطوارئ فقه يخصها

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

الفقه الإسلامي فقه حياة، يعايش حياة الإنسان في كل زمان ومكان؛ لأنه «وضع إلهي سائقٌ لذوي العقول باختيارهم المحمود في ما هو خيرٌ لهم بالذات»، كما يعرفه الفقهاء، فلذلك لا يتوقف عند نازلة أو حلول طارئ، فقد كان الفقهاء يتصدون للنوازل التي لم يسبق فيها نص يخصها، فيستنبطون من النصوص السابقة أو القواعد العامة أو الأصول التشريعية المحددة، ما يدل على نازلتهم، فينحل بها الإشكال القائم، ويعيش الناس في ضوء ذلكم الاستنباط ما يحقق التزامهم بتكاليف الشرع الشريف، فمازال ذلك دأب العلماء عند نزول الحوادث عملاً بقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾، ودأب الناس عندما يشكل عليهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، وما الفتاوى الشرعية على مر العصور إلا من هذا النوع من الفقه، وكم حفظ لنا الدهر من أسفار الفتاوى النافعة في كل عصر ومِصر!

- اتباع رأي الجماعة أوجب، لأن يد الله مع الجماعة، لاسيما إذا كان في الجماعة من هو من أهل الاستنباط والاجتهاد.

غير أنه لم تنزل نازلة عامة كالتي تعيشها البشرية اليوم، بما سمي «بوباء فيروس كورونا» الذي غير نمط الحياة تغييراً جذريا تقريباً، فكان لابد أن يقوم الفقهاء بواجبهم نحو هذا الوباء، لبحث قضاياه المتفرقة، حتى يخرج الناس من الحرج ويعبدوا الله على بصيرة، وقد كانت هناك جهود متفرقة منذ بداية انتشار الفيروس، نظرت مسائل معينة أثر فيها الوباء تأثيراً مباشراً، ولايزال الكثير منها يحتاج تأصيلاً وتعليلاً، وهو ما سيُعنى به مؤتمر فقه الطوارئ الذي سيعقده مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، عبر المنصات الإلكترونية الشهر المقبل، ستطرح فيه أغلب القضايا الفقهية التي كان للوباء أثر في تغيير وضعها أو تعطيلها، من العبادات والمعاملات.

أما العبادات فلأنها تهمّ المسلمين بوجه الخصوص، إذ منعهم أن يصلّوا جماعة أو جمعة، وأثَّر في صوم بعضهم طلباً لحماية النفس، أو لما أصابه من أثر الوباء، وكذا الزكاة، فإنه أثر في بعضهم في أداء واجب الزكاة لفقد السيولة، أو احتياج المستحقين تقديمها، وكان أثره في أداء نسكَي العمرة والحج والزيارة كبيراً، فقد عطل عمارة بيت الله تعالى حتى من الطائفين، فضلاً عن القائمين والعاكفين والركع السجود، وها هو سيعطل الحج على أكثر الناس.

وأما المعاملات فقد كان أثره في الناس مختلفاً من حيث الالتزامات العقْدية، بين كبير ومتوسط وخفيف، بحسب حال المعاملة، وكل ذلك يحتاج تصويراً وتنزيلاً.. وإنما يبحث هذه القضايا وغيرها المتخصصون ممن لديهم ملكة الاستدلال والاستنباط، وهو ما سيُعنى به هذا المؤتمر الواعد إن شاء الله تعالى.

والمطلوب هو الاستفادة من مخرجاته لكل من له صلة يحتاج تنزيل ذلك على نفسه، فالعابد يعلم أن ما سيخرج به المؤتمر هو جواب أهل الذكر، الذين أمر الله بالرجوع إليهم، فلا يبقى في صدره حرج، ويعلم أن شرع الله هو ما يبينه أهل الشرع، كما قد علم أن مسائل الطب وقضاياه هي ما يبينه الأطباء المتخصصون، وكذلك سائر التخصصات الأخرى، فإنه لا يَقبل فيها إلا قول أهل الشأن من أهل ذلك العلم، فلا ينبغي بعد ذلك التعويل على ما ينشر في فضاء الاتصالات والتواصل ممن يسلك بُنيَّات الطريق فيشوش على الكثير، وإن كان قد يُظن أنه بلقبه أو متابعيه مؤثراً، فإن ذلك لا يعني اتباع رأيه، فإن اتباع رأي الجماعة أوجب؛ لأن يد الله مع الجماعة، لاسيما إذا كان في الجماعة من هو من أهل الاستنباط والاجتهاد كالإمام الشيخ عبدالله بن بيَّه - حفظه الله - الذي هو أوحد عصره في التأصيل والتدليل، لجمعه وسائل الاجتهاد اللغوية والأصولية والفرعية والمقاصدية، مع طول ممارسة ومدارسة، فإن انضم معه من أهل صناعة الفتاوى وتخصص الفقه والأصول، ونظرة المقاصد ما يؤيده ويدعمه، فإن المتعين أن يكون ما يخرج به المؤتمر هو محل العمل وتوقف النظر عما سواه، لأن ذلك هو مراد الشارع الحكيم الذي قال في نصه المحكم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وأولو الأمر هنا أعني في مقام الاستنباط والاستدلال هم هؤلاء العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.

والله ولي التوفيق.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة