كـل يــوم

فرق كبير بين النقد والتطاول!

سامي الريامي

ثمّة فرق كبير بين النقد البنّاء، والتطاول المسيء، هما شيئان مختلفان لا يتشابهان أبداً، فالأول عِلم قائم بذاته، له أسلوبه وقوانينه وقواعده المهمة، التي تجعل منه ضرورة حياتية في أي مجتمع، فهو خطوة متقدمة للأمام، يساعد في البناء، وتصويب الأخطاء في سبيل الوصول للأفضل، ولا يؤدي إلى بثّ الفرقة، ونشر الضغينة والإحباط، عِلم يترفّع به صاحبه عن الإساءة وشخصنة الأمور، ويُحسن في الغالب اختيار كلماته الناقدة التي تصل لمبتغاها، من دون تجريح أحد، أو تقليل من شأن أحد.

الهدف الحقيقي والوحيد من النقد البنّاء، هو تحقيق مصلحة عامة، لا تختلط بمصالح شخصية، ولا تهدف إلى تصفية حسابات قديمة، أما الإساءة التي تنتشر حالياً، والتي يعتقد أصحابها أنهم يمارسون حرية الانتقاد، فهي أمر سلبي للغاية، هي أقرب للجريمة، ففيها غياب تام لكل المفاهيم الأخلاقية، هي في الغالب موجهة للشخص، لا إلى عمله أو فكره أو رأيه، ولا يحرص أصحابها على انتقاء الكلمات المناسبة، بل يتعمدون اختيار الكلمات المهينة أو القبيحة، وهم يعتقدون أن السبّ والتطاول والاستهزاء، مرادفات للجرأة، أو شجاعة الشخصية، أو قوة الكلمة، في حين أن الحقيقة عكس ذلك تماماً، هي مرادفات لضعف الحجة، وقلة المعرفة، وغياب الأخلاق الرفيعة!

ما نراه حالياً، للأسف الشديد، في أغلب مواقع التواصل الاجتماعي، هو نقد مرفوض، سواء كان موجهاً لأفراد، أو مسؤولين، أو مؤسسات حكومية، لأنه يتجاوز حدود اللباقة واللياقة الأدبية، خصوصاً مع دخول أساليب وألفاظ جارحة لم نعهدها في مجتمع الإمارات، كما أن أغلب هؤلاء المسيئين يتعمدون الحديث والإساءة إلى الشخص نفسه، ولأهله أحياناً، لا إلى فكرته أو مشروعه‪.‬

معظمهم ينتقدون بأسلوب غاضب متشنج، ويحاولون المسّ بكرامة الشخص، معتقدين أن ذلك يعني الانتصار عليه وإلجامه‬، ومعظمهم أيضاً يلجأون إلى النقد بلا مناسبة، لذلك يكون النقد في غير مكانه.

لن يمنعكم أحد من الانتقاد للمصلحة العامة، لكن ليعلم كل من ينتقد، أن النقد البنّاء يستخدم أساليب علمية، ولا يستخدم التجريح الشخصي، والناقد البنّاء حريص على تقديم الفكرة والنصيحة، ويحرص على التلميح أكثر من التصريح، وهو حريص أيضاً على تقديم الحقيقة المجردة، وآخر همه أن يثبت أنه انتصر في النهاية‪.‬

‪من ينتقد للمصلحة العامة يحرص على تأكيد الإيجابيات وتوضيح السلبيات، ومن ينتقد لهدف آخر فإنه لا يسعى إلا للفت الانتباه للجانب السلبي فقط، والناقد البنّاء يركز على الفكرة، وله رأي موحد حول الفكرة، بغض النظر عن صاحبها، بينما الناقد الهدام لديه ازدواجية، فهو ينتقد حسب مكانة الشخص‬.

التنظير دائماً سهل للغاية، لذلك فالمنظرون يفوقون العلماء عدداً، وانتقاد أي مشروع أو فكرة أو قرار أو إجراء أو عمل، سهل جداً، لكنّ تقديم الحلول والبدائل والأفكار التطويرية صعب للغاية، لذلك فالنقاد الهدامون لا يهمهم تقديم حلول، بقدر ما يهمهم النيل من أصحاب الأفكار!

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة