5 دقائق

المؤامرة و«نظرية المؤامرة»

عبدالله القمزي

لم أتعمق في نظريات المؤامرة كما فعلت في أزمة «كورونا المستجد/‏‏‏‏ كوفيد-19»، ولم أتناقش مع أحد فيها إلا في هذه الأزمة. يوجد لدينا أزمة ثقافية وفكرية ولدينا ما هو أخطر من ذلك وهو أن نظرية المؤامرة إن سيطرت على عقل، يفقد قدرته على التفكير.

هناك فرق شاسع بين المؤامرة ونظرية المؤامرة، الأولى موجودة نراها لأنها مكشوفة وموثقة بالأدلة، والثانية مجرد نظرية يعجز أصحابها عن إثباتها لأنها موجودة في عقولهم فقط ولا دليل مادياً يثبتها.

المؤامرة قد تكون سياسية أو اقتصادية أو صناعية أو اجتماعية، مثلاً فضيحة ووترغيت وإيران كونترا سياسيتان، أو فضيحة فولكس واغن الصناعية أو فضيحة بيرني مادوف الاقتصادية أو فضيحة شركات التبغ في الولايات المتحدة التي شاهدناها في فيلم The Insider أو فضيحة الكنيسة الكاثوليكية في بوسطن، والتي كانت موضوعاً لفيلم سبوتلايت كمثال لمؤامرة اجتماعية.

المعادلة فيها جانبان، السري والعلني، الأول عندما تحاك المؤامرة سراً وهنا هي موجودة افتراضاً لعدم بروز أدلة على وجودها. ثم عندما تُكشف بتقدم شخص مطلع عليها لإبلاغ السلطات التي تبدأ تحقيقات رسمية تغطيها وسائل الإعلام وتوثقها، فإنها تخرج من سريتها وتتحوّل إلى فضيحة ولا تنطبق عليها صفة المؤامرة بعد ذلك.

نظرية المؤامرة تعمل بشكل آخر، فهي تظهر وتعيش عقوداً طويلة تتناقلها الأجيال دون أدلة، ومع الوقت تتحول إلى خرافات أو تصورات موثقة في كتب متداولة بين أوساط من يؤمنون بها، ولا تتمتع هذه الكتب بأي صفة رسمية ولا تعترف بها الحكومات.

مثلاً، مؤامرة ضربات سبتمبر الإرهابية كانت من تدبير الحكومة الأميركية، وقصة اليهود الذين علموا مسبقاً بها وخرجوا من برجي مركز التجارة قبل انهيارهما.

أو مؤامرة اغتيال الرئيس الأسبق جون كينيدي، والتي مازالت رائجة حتى في أوساط الأميركيين أنفسهم أن الحكومة كانت تعلم أمراً ما وتسترت عليه. واليوم بالطبع لدينا نظرية مؤامرة «كورونا» التي لن ننساها مطلقاً لأنها ازدهرت في عصر «سوشيال ميديا»، والتي تتفرع منها مؤامرة بيل غيتس صنع الفيروس، وهي الأخرى تتفرع منها مؤامرة الماسونية الصهيونية للسيطرة على العالم.

لاحظ معي هذا الفرق المهم بين تطور النوعين، الأول أي المؤامرة/‏‏‏‏الفضيحة يمر بمراحل ثابتة معروفة والنتيجة واحدة موثقة في متناول الجميع. أما الثاني فهو مثل كرة الثلج، يبدأ كتصور عن حقيقة تُضاف إليه مبالغات وأوهام وخرافات من عقول تتفاوت في ذكائها وسذاجتها وسطحيتها، ثم تصل إليك وعقلك الحائر المسكين لا يستطيع تتبعها لأنها تحمل مئات الأفكار المتناقضة.

بالعربي: مشكلة نظرية المؤامرة هي الآخر، فلو كان عقلك متحاملاً وتظن بالآخر شراً فلن تتحرر منها وستشل قدراتك التفكيرية بالكامل. تذكّر أن الآخر لم يولد شريراً وتذكّر أن الآخر لو كان شريراً بفطرته كما يوسوس لك شيطانك فلن يطلق عليك فيروساً لو علم أن الفيروس سيضربه في عقر داره. تذكّر أن العالم مشغول بمكافحة مرض، ولست أنت الشغل الشاغل كي يتآمر ضدك.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .


هناك فرق شاسع بين المؤامرة ونظرية المؤامرة، الأولى موجودة نراها لأنها مكشوفة والثانية مجرد نظرية.

طباعة