5 دقائق

العشر الأواخر و«كورونا»

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

حلَّت علينا العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ومازال العالم يرزح تحت وطأة هذا الوباء الداهم الغاشم، وقد كان أملنا في الله تعالى أن يعجل برفعه في هذا الشهر، فلا تأتي خواتمه إلا وقد نفض العالم غباره، وعادت الحياة السعيدة التي كانت قبل قدومه المشؤوم، ولكنْ لله تعالى حكمةٌ في بقائه، وما يدري العالم متى سيرحل عنه غير مودَّع ولا مأسوف عليه، فالحيرة مازالت سيدةَ العلم والعالم، ولله حكمة في خلقه، فلا يُسأل سبحانه عما يَفعل بهم، وهم يسألون عن أعمالهم.

هل تساءل العالم عن سبب حدوث هذه الجائحة الكبرى التي لم يشهد لها مثيلاً من قبل؟!

فهل تساءل العالم عن سبب حدوث هذه الجائحة الكبرى التي لم يشهد لها مثيلاً من قبل؟! الكل سادر في غفلته، متجاهل ما يحيط به من مكر مولاه، وغافل عن مصيره.

ولعلي أحاسب نفسي، وأستمح قارئ مقالي أن ألمح في عينه وأهمس في أذنه وأخاطب وجدانه؛ بأن الحق سبحانه يمحص عباده بما يشاء من الابتلاء، ليميز الخبيث من الطيب كما يشاء وكما أخبر عن نفسه.

أما الطيب فإنه يدرك أن تمحيص المولى له هو خير له، فبه يتنبه من غفلته، وبه يسرع في عودته، وبه يستعد لملاقاة ربه بحسن عمله وظنه، وبه يحتسب ذلكم التمحيص عند مولاه.. وهو سبحانه يأجره بغير حساب لصبره ورضاه وتوبته ودعائه، فكان خيراً له، فهذا الصنف يرى نفسه ليس شيئاً بجانب أولئك الذين محصهم تمحيصاً شديداً يوم أُحد، وهم بين ظهراني نبيهم المصطفى، عليه الصلاة والسلام، الذي هو رحمة، والذي وجوده سبب لرفع عذاب الاستئصال، ومع ذلك أصابهم ما يصيب من تسبب بالعذاب، ولله سنن كونية لا تتبدل..

فهذا المؤمن المحتسب يئنُّ ألماً من هذا الوباء وهو في حبس انفرادي، لألم الإصابة، أو في إقامة جبرية احتياطية، فضلاً عن تعطل كثير من مصالحه، وضيق موارده، ومع ذلك لا يقول إلا ما يرضي الرب سبحانه، فهو إن مات فشهيد، وإن عاش فسعيد، يوم يجد الثواب بغير حساب، فلن يضيع أجره، ولن يخيب عند لقاء ربه.

وأما غير هذا الصنف من الناس فليسمح لي أن أنبهه إلى أنه قد آن له أن يعرف أن الكون لا تسيِّره القوى العالمية ولا التدابير البشرية، بل يسيره خالقه ويدبره مالكه، فإذا كانت حيل البشر قد عجزت أن توجد لقاحاً لأضعف مخلوق لله تعالى، وأن أخبار العلماء الذين اعترفوا بعجزهم، مع يقينهم أنه لابد لهذا الداء من دواء، إلا أن اكتشافه بعيد المدى، ومع تنبؤاتهم المزعجة من أوبئة قادمة، فإن ذلك كله شيء يسير مما لو رجفت الراجفة التي تتبعها الرادفة، فلا تبقي ولا تذر، فمن الذي يفعل ذلك غير المالك لهذا الكون؟! فلماذا يظل الملحد على إلحاده، والوثني على وثنيته، أليس من واجبه أن يعيد النظر في حاله ومآله، ليتخذ عند الله تعالى يداً يتقرب بها إليه؟! ذلك هو المتعين الذي تدعو إليه الفطرة السوية والعقل الرشيد. فالعقل هو المسؤول عن إصلاح وضع المرء فيهديه إلى الرشد الذي بعث الله تعالى به الأنبياء، فيهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فلماذا يهمل المرء عقله ولا يستفيد منه، وهذه المنبهات والزواجر تترى، أليس هو بصيراً بنفسه؟! نعم هو كذلك، إلا أنه يعطل هذه الجوهرة التي ميزه الله تعالى بها دون كثير من خلقه..

ودعني أيها القارئ الكريم أعود إلى العنوان، فهذه العشر الأواخر من شهر رمضان، هي صفوة هذا الشهر، ففيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهي التي كان سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخصها بمزيد من التبتل، فإذا دخلت شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، ودخل معتكفه، كل ذلك طلباً لليلة القدر، فما نحن فاعلون؟ علينا أن ننسى الوضع الجائحي، فلن يفيدنا الجزع، فمقدور الله ماضٍ، ولنقبل على اغتنام هذه العشر، فنتأسى بنبينا، فهذا الحال الذي نحن فيه قد فرغنا لمثله، فلم يبق لنا عذر، وإن فاتنا الاعتكاف في المسجد، فقد عوضنا بالانقطاع في البيت، فعجباً لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة