5 دقائق

الاقتصاد الدائري والمستقبل

د. علاء جراد

في المائة عام الماضية، ظهرت صور عديدة من الاقتصاد، مثل الاقتصاد الأخضر والاقتصاد المعرفي والاقتصاد الرقمي، ثم الاقتصاد الأرجواني، وفي الآونة الأخيرة تمت بلورة إطار عمل لاقتصاد جديد سيكون له وجود كبير جداً، وسيؤثر ويتأثر بسلوك البشر والشركات والحكومات، وهو الاقتصاد الدائري أو Circular Economy وهو نظام اقتصادي يعتمد على تغيير طرق التصنيع والاستهلاك لتقليل الهدر، وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير للمواد المستخدمة في التصنيع بطريقة دائرية، كما لو كانت هناك حلقة مغلقة لا تسمح بإدخال مدخلات جديدة في عملية الإنتاج، بل استخدام ما هو متاح، وبالتالي يتم تقليل الهدر وتوفير نفقات الإنتاج، ما يساعد على تقليل أسعار المنتجات، وبالتالي الوصول لشريحة أكبر من المستهلكين ومن ثم تحسين جودة الحياة.

وفقاً لتلك الفلسفة، فالاقتصاد الدائري سيكون البديل للاقتصاد «الخطي» الموجود حالياً، والذي يتم فيه التخلص من المنتجات بعد استهلاكها وفي الغالب، من دون الاستفادة منها استفادة كاملة، فعلى الرغم من انتشار إعادة التدوير وإعادة الاستخدام، فمازالت هناك كميات هائلة من الفاقد، ويكفي أن نعرف، على سبيل المثال، أن في كل دقيقة يتم دفن أو حرق ما يعادل عبوات ستين شاحنة من الملابس المستعملة وبقايا الأقمشة والمنسوجات (بحسب مؤسسة إيلين ماك أرثر)، وبالطبع هناك الآف الأمثلة من هذا القبيل، سواء في صناعة الغذاء أو الأجهزة الكهربائية أو السيارات، الخ. أما لو تم تغيير قواعد اللعبة بتغيير تقنيات وأساليب التصنيع، وقبل ذلك السياسات والتشريعات اللازمة، فسيتغير كل شيء، وأتصور أن الوقت الحالي هو أفضل حافز للتغيير وترك الاقتصاد الخطي وراء ظهورنا بلا رجعة.

إن كمية ما يتم دفنه أو حرقه يومياً من الغذاء التالف وما شابهه من المستلزمات، تكفي لحل مشكلة الغذاء حول العالم، وعندها لن نحتاج لتلك المنظمات الأممية التي عجزت عن حل المعضلات التي تواجهها البشرية.

يعتمد الاقتصاد الدائري على ثلاثة محاور، هي: إعادة تجديد نظام الطبيعة، تصميم نظام للمخرجات والنفايات، واستمرارية استخدام المنتجات والمواد. إن تبني النظام الاقتصادي الجديد من شأنه أن يقلل انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 48% بحلول عام 2030، ويخفض كلفة النظام الصحي والغذائي بـ550 مليار دولار، ويقلل الازدحام المروري بنسبة 47%، لقد بدأت بعض الدول مثل أسكتلندا في وضع استراتيجية وطنية للتحول نحو هذا النظام الجديد، كما بدأت بعض الجامعات والجهات التعليمية في طرح مساقات وبرامج دراسات عليا في أساليب الاقتصاد الدائري، وأعتقد أنه سيكون هناك المزيد من خطوات التحول، بعد عبور أزمة «كورونا»، بسرعة كبيرة.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه


أتصور أن الوقت الحالي هو أفضل حافز للتغيير وترك الاقتصاد الخطي وراء ظهورنا بلا رجعة.

طباعة