5 دقائق

    فضيلة إحياء النفوس

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    تتفاوت الفضائل بتفاوت نفعها للإنسان، وأجلُّ الفضائل الإنسانية والمكارم الخُلقية إغاثةُ الملهوف، وهو الذي يستغيث بمَن يخلِّصه مما أصابه من ظلم أو كرب، فإن كان ذلك مما يحيط به من خطر الحياة فهو أشدهم لهفاً وكرباً، فمن يُغثْه يكن كمن أحيا نفسه، ومن أحيا نفساً واحدة كان كمن أحيا الناس جميعاً، وكما أشاد الذكر الحكيم بذلك بقوله: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»، وفي الحديث: «والله تعالى يحب إغاثة اللهفان».

    - الأزمة الإنسانية تحتاج تضافراً جاداً من جميع الدول والشعوب والمؤسسات للإسهام الجاد في تفادي أخطارها.

    والمتأمِّل لحال الإخوة العرب الذين حاصرهم فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية، فظلوا يصرخون هل من مغيث؟ فلم يجدوا سامعاً ولا مجيباً سوى ذلكم الرجل الشهم الأبيّ الكريم، سلالة المجد والنجدة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله ورعاه، فإنه ما أن سمع بمحنتهم وصرختهم، حتى هبَّ هبة مُعتصميَّة، لتلبية ندائهم بإخراجهم من مستنقع الهلاك الذي أحاط بهم من كل مكان، فنقلهم إلى مأوى حصين، ودار كريم، هيأها لهم لينالوا الرعاية المعيشية، والعناية الطبية كأحسن ما تكون الضيافة، وأجود ما تكون النصرة، كما صرحوا بذلك شاكرين داعين، ففرج بذلك كربتهم في وقت كانت دولهم في غفلة وإعراض عن تأمينهم، إما لعجزها وهو الأظهر، أو لعدم مبالاتها بأبنائها، وهو جائز، فكانت نجدته تمثل نخوة المعتصم في هذا الكرب الشديد، في هذا العصر العتيد، وكأني بقول الشاعر:

    إن الصديقَ الحق من كان معك ومن يضرُّ نفسه لينفعك

    ومن إذا ريبُ الزمان صدَعك شتت فيه شملَه ليجمعك

    كأني به يعني هذا القائد الرائد المتفاني في حب الإنسانية وإخراجها من ورطاتها، فإنه في هذه الأزمة العالمية يمد يده للقريب والبعيد والقوي والضعيف؛ عوناً وتثبيتاً حتى تتعدى بسلام إن شاء الله تعالى، ولا شك - إن شاء الله تعالى - أن الله تعالى سيكتب له أجر من فرَّج عن مسلم كربته، فإنه يقدم ذلك لا يريد جزاء ولا شكوراً إلا من الله رب العالمين.

    إن هذه المبادرة الفريدة في عالم مرعوب من هذا الفيروس الطائش الذي تجاوز الحدود، واستهدف النوع الإنساني كله، بحيث أصبح كل إنسان يقول نفسي نفسي، ليُعطي دلالة على هذا النُّبل العظيم في استشعار معاني الإنسانية عنده، وأن أخلاقه المُثلى خالية من الأنانية التي هي حال كثير من الناس.

    إن هذا النبل العظيم من قادة دولة الإمارات العربية المتحدة هو معدن أصيل، يظهر عند تجدد الأزمات، ليراه من لم يكن يرى، ويسمعه من به صمم، فيعلم الجميع أن هذه الدولة دولة سلام ومحبة ووئام، دولة إنسانية بكل ما تعنيه الإنسانية من رُقِيٍّ وحضارة وإخاء، فهي تسخر طاقاتها ومواردها وأفكارها الخلاقة لنفع الناس كل الناس، حتى ينعم الجميع بما يحبون من خير ورفاهية، فنالت بذلك تقدير العالم وإكباره.

    والجدير بالذكر أن هذه الأزمة الإنسانية تحتاج تضافراً جاداً من جميع الدول والشعوب والمؤسسات للإسهام الجاد في تفادي أخطارها، كلٌّ في موقعه واستطاعته على مستوى الفرد والجماعة والأمة، فكل إنسان عليه أن يعد نفسه مكافحاً أولاً بحماية نفسه، وذلك باتخاذ أساليب الوقاية الصحية التي ترشد إليها الجهات المعنية، والتي دعا إليها الإسلام والنُّظم الصحية، وثانياً بحماية غيره بعدم نقل العدوى إليه إن كان يشتبه من نفسه تأثره بإصابة من هذا الفيروس الشرير، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فكل إنسان عليه أن يستشعر الإخاء الإنساني، فإنه لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، ولنجعل شعارنا في مثل هذه الأزمة شعار الجند في أقصى درجات الاستعداد؛ لأن هذا العدو شرس يود أن يفترس كل من لقيه، ولا يفلت منه إلا من أعجزه هرباً وحيلة، وبذلك يحاصر في زاوية واحدة، فيسهل القضاء عليه حتى يكتفي الناس شره.

    وإن من وسائل محاربته هذه الهبات الإنسانية من الرجال الكبار التي تساعد الناس على تجاوز هذه المحنة العالمية.

    فشكراً لك يا أبا خالد، والشكر غير كافٍ، ولعلَّ دعوة صالحة ممن فرجت كربته بهذه المبادرة الشجاعة؛ لعلها تفتح أبواب السماء فتمطرك وحكومتك وشعبك فيوضاتٍ ربانية دنيوية وأخروية، فنعِمَّا ذلكم العطاء.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

    طباعة