5 دقائق

    صناعةُ الأمل وأملُ الصناعة

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    الأملُ يصنعه رجال أفذاذ، نذروا أنفسهم لخدمة البلاد والعباد، لتكون بلدانهم صدراً في كل ممكن وكل ما يرقى بالبلد إلى مصاف الدول الرائدة، لعلمهم أن أولئك المتقدمين في الصناعة والتقنية والتكنولوجيا ليسوا جِنًّا يصنعون المستحيل عادة، بل هم بشر أمثالنا، لكنهم تميزوا عنا بأخذ الأسباب، فوصلوا إلى المسببات المطلوبة، ولا غرو أن يصلوا، فإن كل من جد وجد، وكل من سار على الدرب وصل، كيف بنا ونحن أولى من يأخذ بهذه الأسباب، فكتاب ربنا يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وهو أمر بالعمل النافع للدين والدنيا.

    - «الأمة اليوم تتوق لأن تساير الحضارة التي يعيشها الغير، والصناعة التي تفوَّق بها الآخرون، والنظام والعدالة اللذين ينعمون بهما..».

    ولا ننكر ولا نكابر أن عالمنا العربي بالذات، والإسلامي عموماً، يعاني من حبوط الأمل لما هو فيه من التخلف الصناعي والتقني، بسبب غياب الطموح الكبير من الملأ الذي لا يستشعر طموح العامة من الناس في الرقي والتقدم، وهو ما جعل قائداً فذاً طموحاً كصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، يتحسس أمل أمته، ففتح لهم نافذة الطموح للرقي المنشود بإنشاء برنامج «صناعة الأمل»، في الوقت الذي لم يفكر فيه أحد، لأن سموه يعيش مع الناس واقعاً، فيحزنه ما يعانيه شباب الأمة، كما عبّر عنه بقوله: «عالمنا العربي مليء بعشرات الآلاف من القصص الملهمة لجنود الإنسانية، وصناع التغيير الإيجابي».

    نعم أيها الشيخ المبارك، والحاكم العادل، والراعي الملهم، لقد صدقتم وأصبتم وأجدتم، فقد وضعتم يدكم المباركة على الألم الخفي، فآلمكم ما آلم أمتكم، ووضعتم مفاتيح التقدم المنشود لتحقيق الآمال الكبار بهذه المشروعات الجبارة التي تفتحونها كل يوم، والتي تخططون لها يوماً بعد يوم في الأرض والفضاء والبر والبحر والداخل والخارج، حتى يرقى شعبكم إلى أوج العلا، ومن ورائه شعوب الأمة العربية التي تفاعلت مع مبادرة صناعة الأمل بآلاف مؤلفة لم تكن متوقعة؛ ليدل ذلك على أن الأمة تعيش هماً تعجز ألسنتها عن أن تعبر عنه، حيث لا تجد آذاناً صاغية، فما أن فُتح لها الأمل حتى لبّت النداء ليكونوا جنوداً أوفياء، لتحقيق طموحهم في بناء الإنسان والأوطان.. وكما قال سموه الكريم: «صناعة الأمل أصبحت هي الأمل لمنطقتنا العربية، لبناء أوطان تنعم بالأمان والاستقرار».

    إن الأمة اليوم تتوق لأن تساير الحضارة التي يعيشها الغير، والصناعة التي تفوَّق بها الآخرون، والنظام والعدالة اللذين ينعمون بهما.. وكل ذلك متاح للأمة إن هي وجدت قيادة رائدة، أمثال هذه الهامة العالية التي تفاخر بعروبتها ودينها وقيمها الراقية.

    فإن كل واحد قادر على العطاء، وكل إنسان له موهبة يمكن تسخيرها لخدمة مجتمعه، كما ذكر سموه.

    نعم إن صناعة الأمل تعادل صناعة الحياة، لأن الحياة التي طبعت على النكد والنصب لا يتجاوزها المرء إلا بأمل طموح، وكما قال الطُّغرَّائي:

    أعلِّلُ النفس بالآمال أرقُبها...

    ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ

    ولا يقف العاقل عند أمل بسيط، بل ينبغي أن يكون أمله أبعد من تصوره، فهذا هو الإنسان الطموح، وكما قالوا في شواهد النحو:

    لأستسهلنَّ الصعب أو أدركَ المُنى

    فما انقادت الآمال إلا لصابرِ

    نعم تنقاد الآمال لمن أخذ بأسبابها، وجدَّ في تحصيلها، فإن الله تعالى جعل قانون الأسباب موصِلاً إلى كل ممكن، وها هي الإمارات الفتية الأبية أخذت بهذا القانون، فتحقق لها المراد، وسيتحقق لها الكثير مما ينفع الناس ويمكث في الأرض، بإذن الله تعالى، وهي تسير في هذا الطريق الذي أتاحه الله لعباده، كما أتاح أسباب الدنيا للعبد الصالح ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، وبتلك الأسباب أنقذ البشرية من عدوها المهلك - قوم يأجوج ومأجوج - بجعله الردم الذي لا يستطيعون تجازوه حتى يأذن الله بهلاك البشرية، كان ذلك بأخذه أسباب القوة التي خلقها الله تعالى في الأرض، وهدى إليها من شاء من عباده، وهي الأسباب التي أخذ بها عالم الشرق والغرب اليوم، فتمكنوا من الدنيا وما فيها، وهذه الأمة وفيها مثل هؤلاء القادة الكبار ليست أقل ذكاء ولا إرادة من أولئك الذين أخذوا بأسباب التقدم والحضارة.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

    طباعة