5 دقائق

    الأبناء في ميزان النظريات التربوية

    جمال الشحي

    رأيت أحد الأطفال يبكي بحرارة في أحد المتاجر وفي عينيه تلمع رغبة امتلاك لعبة من اللعب التي تنتشر على الأدراج، وكان بكاء الطفل بكل ما فيه من تلقائية وصدق وبراءة، يشكل إحراجاً كبيراً لوالديه اللذين ظهرا مرتبكين أمام إصرار طفلهما على تنفيذ رغبته الطفولية. كانت اللعبة باهظة الثمن، وربما لم يتمكن الوالدان من دفع ثمنها، لكن عناد الطفل كان قوياً وطاغياً، ولا يبدو على ملامحه أنه يتنازل عن فردوسه المفقود. كان العناد بطل المشهد الحزين الذي يمثله كل من الابن ووالديه على مسرح. لم تكن هناك أية وسيلة لإقناع الطفل بالتنازل عن مطلبه رغم ما بذله الوالدان من جهود، لذلك قابل الأب رغبة طفله العنيد بعناد أكبر. انتصر الأب في نهاية المطاف، ولم يكن أمامه من وسيلة سوى حمل طفله والخروج من متجر الرغبات المكبوتة، وعلامات الغضب بادية على وجه الأب.

    كلنا يعترف بأن تربية الأبناء مهمة عسيرة، وذلك يعود إلى تركيبة الأطفال النفسية التي تشبه غابة غاصة بالأشجار. كثيرة هي النظريات النفسية والتربوية لكنها لا تقدم الحلول بالضرورة لأننا توارثناها بشكلها الجامد ولم نسع إلى تطويعها حسب الأوضاع والحالات، وهكذا تصيبنا الدهشة من ردود أفعال أطفالنا غير المتوقعة سواء في تأمين حاجياتهم المادية أو الروحية. ونحن نتخيّل أن الأبناء جميعهم نسخ من بعضهم، لكن النفس البشرية مثل بؤر عميقة الأغوار، ولا نستطيع سبر أغوارها ببساطة، وما مرد هذه الاختلافات بينهم وبينهن؟

    في العادة يقلد الأبناء آباءهم وأمهاتهم في السلوك ويتوارثونها عبر الأجيال، لذلك يجب على الأب أحياناً ألا يأمر أطفاله إلزامياً بعمل قسري، مثلاً بدلاً من أمرهم بالقراءة يجب على الأب أن يجلس إلى مكتبه أو سريره ويقرأ.. وهكذا يبدأ الطفل بتقليده، لأن الطفل مهما كان عنيداً فهو يتخذ من أبيه مثالاً نموذجياً له، وهو مثله الأعلى. لا بد من الإيمان بأن مشكلات الأطفال مؤقتة لأنهم يتطورون يوماً بعد آخر حتى يكبروا وتزول معها آثار تلك المشكلات، أي أن ما حدث من أخطاء لدى الأبناء لا يمكن أن يقع بعد سنة أو أكثر، وعلينا نحن الآباء أن نؤمن بأن لكل مشكلة حلاً، وذلك لا يتم إلا بالتقارب والألفة والإحساس.

    ولابد من تلمس مفاتيح الحل، فهي موجودة في مكان ما، يجب البحث عنها، وأحياناً تكون بين أيدينا ولكننا لا نراها. الخطوة الأولى من الحل هي التعرف إلى شخصية الابن ونفسيته، وبعد فهم هذه الأغوار العميقة يمكن تقديم الحلول آنذاك، ويكون الأب قد شق نصف طريقه نحو الحل، ومن دون هذه المعرفة لا يمكن تقديم أي حل، حتى أعظم النظريات التربوية تعجز عن تقديمه لولا الغوص في أعماق الطفل. إن عدم التواصل بين الأبناء والآباء هو العقبة الكأداء أمام أي حل تربوي، والعجيب أن كثيراً من الآباء يجهلون أبناءهم، ولذلك يتعاملون معهم تعاملاً قاسياً وعنيفاً. لا تفقد الحكمة والاتزان في معالجة المشلكة لأنها قد تنقلب إلى العكس، لأن جرح مشاعر الأبناء وأحاسيسهم لا يمكن إصلاحه أبداً. الانفعال والغريزة والتسرع لا تجدي في شيء أبداً.

    jamal.alshehhi@gmail.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة