5 دقائق

    غرباء هذا الزمن

    عبدالله القمزي

    الشعور بأنك غريب في هذا الزمن ليس شيئاً حسناً، لأن معظم ما حولك لا يتناسب مع ذوقك أو اهتمامك. أو قد تشعر بأنك العاقل الوحيد وسط مجانين، وربما أنت المجنون وهم العقلاء من وجهة نظرهم. في السينما ذوق واحد هو المهيمن، وعندما تنظر إلى الناس حولك تجد الجميع «يبحلق» في الشاشة.. كلّ حسب اهتمامه.

    تصلني فيديوهات من تطبيق تيك توك الشهير لمراهقين وكبار يرقصون على أغانٍ، هذا التطبيق خلق حالة هوس حتى خيل إليَّ أن الجميع يريد أن يرقص ويغني، ولا مانع عندي من إظهار البهجة والسرور لكن لابد أن يحتفظ المرء بقدر من الوقار وإلا ضاعت الهيبة. في «تيك توك» الجميع بلا هيبة، حتى العجوز والخادمة يصوران نفسيهما يرقصان ويغنيان.

    لكن يبقى العنصر المراهق هو المهيمن على «تيك توك»، وهو المهيمن على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو المهيمن على المواقع الإخبارية. نتج عن ذلك انحسار اهتمام المراهقين بقراءة الأخبار على مستوى عالمي، وليس على صعيد الدولة فقط.

    ادخل أي مقهى وعِدَّ الأشخاص الذين يقرأون الصحف، وقارنهم بعدد الذين ينظرون في شاشات هواتفهم، وغالباً هؤلاء أيضاً يقرأون الأخبار من منصات التواصل. ادخل أي مكتبة، ستجد الأعلى مبيعاً هو الأقرب إلى المدخل وهو أهم مكان ليشاهده الجميع. لكن ابحث عن الصحف، فلو لم يقل لك الموظف بأنها لم تعد تباع فإنك غالباً ستجدها في الخلف. عند ركن معزول، عِدَّ كم نسخة من كل صحيفة، ستجد أنها أقل من خمس.

    اليوم 80% من المراهقين يستقون الأخبار من مواقع التواصل وليس من الصحف، وهذا معناه كنتيجة مباشرة أنهم يفضلون استهلاك الخبر في صيغة فيديو وليس مادة مقروءة. منذ 5 أعوام فقط كان 25% من المراهقين يقرأون الأخبار من مواقع التواصل، حسب تقرير نشرته «ذا إيكونوميست».

    بالتالي انخفضت نسبة قراءة الصحف بين الشباب إلى 20%، لأن لديهم اعتقاداً أن التقنية تمنحهم قوة وثقة أكثر بالنفس، بالإضافة إلى ميزة تنبيههم إلى الأخبار التي تهمهم، ولا تهم المجتمع بالضرورة. الأخطر من هذا أن المراهق يقرأ الخبر ويصدقه دون الالتفات للمصدر، لأنه يبحث عما يلفت انتباهه ليقرأه أو يشاهده، وليس عن ما يهم الناس بشكل عام، وقد يكون هذا سبب انتشار بعض الشائعات على نطاق عالمي.

    من الجهة الأخرى انصبَّ اهتمام الناشر على كيفية جذب هذه الفئة، بنشر الأخبار التي تهمها، وبما أن الجمهور يتغير بسرعة، وتسيطر على اهتماماته فئة واحدة، فنحن أمام سابقة خطيرة في صناعة الإعلام، هي أن الجمهور لم يعد يكترث.

    بالعربي: منذ 10 أعوام، كانت الناس تتزاحم على الصحف في المقاهي، وكانت الأعداد تنفد من المكتبات ومحطات الوقود، وهذه الأخيرة توقفت تماماً عن بيع الصحف. إذا كنت ترى ذلك طبيعياً فأنت من هذا الزمن، أو نجحت في التأقلم معه، ولو كان الوضع غير عادي عليك فأنت من غرباء هذا الزمن!

    Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

    طباعة