5 دقائق

التراث المظلوم

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

استجدَّ حديث بين الناس في عصرنا هذا لم يكن مألوفاً، واتهام لم يكن معروفاً، إنه اتهام التراث الإسلامي تارة بأنه سبب تأخر الأمة، وآخر بأنه عقيم لا يصلح لهذا العصر، وآخر وآخر.. وليت هذا الاتهام يستند إلى حجج مقبولة يقف عندها النظر، بيد أنه اتهام العاجز عن البرهان، ليكون هذا العجز حجة على بطلان هذا الاتهام.

- التراث الإسلامي هو البرهان الحي المتجدد في كل عصر ومِصر على ما لهذه الأمة من قوة حضارية وفكرية ومعرفية.

والواقع أن التراث الإسلامي هو البرهان الحي المتجدد في كل عصر ومِصر على ما لهذه الأمة من قوة حضارية وفكرية ومعرفية، غذَّى الأمم المختلفة بما يصلح شأنها المعرفي والتقدم العلمي، فهذا القانون الفرنسي الذي يعتبر أم القوانين المدنية الحديثة إنما هو مستمد من التراث الفقهي المالكي، وهذا تراث ابن سيناء الطبي لايزال منهلاً عذباً للطب الحديث في كليات الطب في الغرب قبل الشرق، وهذه نظريات ابن الهيثم البصرية والخوارزمي الرياضية، وغيره كثير وفير، مازالت جميعها تمد العلوم الحديثة بقواعد معرفية تأصيلية لأهل العلم والمعرفة؛ لأنهم يعرفون التراث فيقدرونه حق قدره، وذلك فضلاً عن التراث المعرفي المستنبط من القرآن والسنة، اللذين يعتبران تراثاً تستمد منهما البشرية ما تحتاج إليه لإصلاح العقائد والعبادات والمعاملات والقيم الخُلقية التي تعتبر قاسماً مشتركاً بين الأمم، وغذاؤها الكبير هو ذلكم النهر الماد من الوحيين..

فما بال هؤلاء لا يقدِرون للتراث قدره؟! ولعل الحامل لذلك هو البعد عن دراسته، والعجز عن فهمه لمَّا لم يتأهلوا لذلك تأهيلاً معرفياً، فما كان منهم إلا أن يصوبوا إليه سهاماً صادئة غير ذات ريش، لترد عليهم حسرة وندامة؛ لأن الأمة الإنسانية ــ وليس الإسلامية فقط ــ تعرف قيمة التراث، فلا يزيدها بُعد القرون به إلا تمسكاً وعناية، ما يجعلنا نشفق على أولئك، متمثلين بقول الأول:

يا نطح الجبل العالي بهامته... أشفقْ على الرأس لا تشفق على الجبل.

وهبنا نُسلِّم جدلاً بما يقولون من قول العاجز الفقير، فنطوي سجلات التراث، فنقول لهم: أرفدونا بما يصلحنا من جديد علمكم، فهاتوا لنا أصولاً نستخرج بها الأحكام الفقهية التي تحفظ علينا ديننا ودنيانا، وهاتوا لنا قواعد نحوية وصرفية نحفظ بها لساننا العربي حتى نفهم كلام ربنا جل وعز، وكلام نبينا، صلى الله عليه وآله وسلم، وهاتوا لنا علماً فلسفياً نقوِّي به حُجَجنا، وهاتوا لنا علم المعاني والبيان والبديع حتى نفهم بلاغة القرآن الكريم، ونعرف أنه مازال معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام مدى الدهر.

فهل يقدر أحد من أولئك على أن يأتي بشيء مثله أو قريب منه حتى نتبع أثره ولا نتبع التراث؟!

فهم كَلٌّ على مواليهم لا يقدرون على شيء، فكانوا دعاة هدم لا دعاة بناء وتأصيل، وعند ذلك نشكر شوقي ونترحم عليه، حينما أرشدنا إلى عدم اعتبار مثل هذه الهيصات بقوله:

لا تحذُ حذو عصابةٍ مفتونة … يجدون قديم كلَّ شيءٍ منكرا

من كل ماض في القديم وهدمه … وإذا تقدّم للبناية قصّرا

إن التراث هو الأمة، وهو الماضي والحاضر والمستقبل، فأمة لا ماضي لها لا حاضر ولا مستقبل لها، كما قال حكيم العرب، زايد، رحمه الله، وإن ترك التراث يعني دعوة مفتوحة للتخلي عن الثوابت والقيم والتأريخ الذي يُعبِّر بلسان مبين عن وجودنا قبل أن يوجد دعاة هدمه أو تجاوزه إلى غيره مما هو أدنى.

ولا بأس أن نهمس في أذهانهم أن التراث يدعو إلى العمل الجاد لإصلاح البشرية في كل المجالات، الفكرية والتطبيقية، فهو الذي بنى حضارة إسلامية على مدى القرون الأربعة عشر الماضية، لاتزال المؤسسات العلمية تشيد بها، لعلمها أنها كانت حضارة حيث لا توجد شبيهة لها في الممالك الأوروبية، ولعالم يقرأ رسالة جورج الثاني ملك إنجلترا والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس هشام الثالث، يستعطفه أن يقبل وفداً من أبناء مملكته ليقتبسوا شيئاً من علوم الإسلام وحضارته، من أحب قراءتها فليقرأ التراث.

وذلكم التراث الذي أنشأ تلك الحضارة هو الموجود الآن وأكثر منه، فكان الأجدر بدعاة هدمه أن تكون جهودهم مركزة على إحيائه، نشراً وإشادة وتطبيقاً، حتى يعود للأمة مجدها الذي ضاع بسبب إضاعتهم التراث.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة