جلسة حوارية ناقشت إسهامات الحضارة الأندلسية في الثقافة والفنون

من سحر المخطوطات إلى عذوبة الموشحات.. الأندلس تحضر في مكتبة محمد بن راشد

صورة

من صفحات المخطوطات التي حفظت ملامح الحياة العلمية والثقافية في الأندلس، إلى أنغام الموشحات التي عبرت القرون، استحضرت مكتبة محمد بن راشد الإرث الأندلسي في فعالية جمعت بين استكشاف تاريخ المعرفة وجماليات الموسيقى، مسلطة الضوء على إسهامات الحضارة الأندلسية في الثقافة والفنون، وعلى أهمية صون هذا الإرث ونقله إلى الأجيال الجديدة. واستضافت الفعالية جلسة حوارية بعنوان «المخطوطات الأندلسية: حضورها في عالمنا المعاصر ودلالاتها الحضارية»، بمشاركة الباحثة الإسبانية أديبة روميرو، وأدارتها الإعلامية نوفر رمول، أعقبتها أمسية طربية بعنوان «ليلة الطرب الأندلسي»، أحياها «كورال العرب». وقدمت الفعالية، عبر محطتيها المعرفية والفنية، قراءة في التراث الأندلسي، انطلقت من تاريخ الكتاب وصناعته، ووصلت إلى ما تحمله الموشحات من أصالة موسيقية وامتداد ثقافي.

مفهوم المخطوط

واستهلت الجلسة الحوارية بالتعريف بمفهوم المخطوط العربي الإسلامي وخصوصيته، قبل الانتقال إلى صناعة الكتاب في الأندلس ومراحل تطورها. وتناولت روميرو وصول اللغة العربية إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وانتشارها، وما رافق ذلك من تفاعل بين اللغات والثقافات، أسهم في ازدهار التأليف وتداول الكتب، وفي تشكيل ملامح الحياة العلمية والثقافية في المجتمع الأندلسي.

كما سلطت الجلسة الضوء على مكانة المكتبات ودورها في حفظ العلوم وتداولها، وتوقفت عند إسهامات النساء في صناعة الكتاب ونقل المعرفة ونشرها، إلى جانب المصاحف الأندلسية وما تميّزت به من عناية بالخط والزخرفة، بوصفها شاهداً على التداخل بين المعرفة والفن، وعلى الاهتمام بالتفاصيل الجمالية في مختلف مراحل إنتاج المخطوطات وحفظها.

تحولات تاريخية

وتطرقت روميرو إلى التحولات التاريخية التي أثرت في بقاء هذا التراث وانتقاله، ولاسيما مع تراجع الحكم الإسلامي وسقوط غرناطة، مستعرضة القيود التي فُرضت على المسلمين في إسبانيا وانعكاساتها على استخدام اللغة العربية وإنتاج الكتب. كما تناولت المخطوطات المعروفة باسم «الألخميادو»، وما تعكسه من تحولات لغوية وثقافية شهدتها تلك المرحلة.

وامتد النقاش إلى واقع المخطوطات الأندلسية اليوم، والأماكن التي توجد فيها نماذجها الباقية، وقيمتها في دراسة تاريخ الأندلس وحركة المعرفة فيها. كما حضرت التقنيات الحديثة ضمن محاور الجلسة، من خلال بحث دور الذكاء الاصطناعي في رقمنة المخطوطات والمساعدة على قراءة الكلمات غير الواضحة في نصوصها. وفي هذا السياق، برزت أهمية الجمع بين الأدوات التقنية والخبرة البشرية في التعامل مع المخطوطات، إذ يتطلب هذا المجال إلماماً باللغة والخطوط وأساليب الكتابة، إلى جانب معرفة بالسياقات التاريخية والثقافية، بما يتيح قراءة النصوص قراءة دقيقة وفهم دلالاتها بصورة صحيحة. فالتقنيات الحديثة، على الرغم من إمكاناتها في تسهيل الوصول إلى الوثائق القديمة والتعامل معها، لا تُغني عن العقل البشري والخبرة المتخصصة في تحقيق النصوص وتفسيرها.

تراث موسيقي

ومن صفحات المخطوطات إلى أنغام الموشحات، انتقل الجمهور إلى أمسية «ليلة الطرب الأندلسي»، التي قدم خلالها «كورال العرب» مجموعة من الأعمال المستلهمة من التراث الموسيقي الأندلسي، مستحضراً جماليات النصوص والألحان والأداء الجماعي. وشكلت الأمسية امتداداً فنياً لمحاور الجلسة الحوارية، إذ أتاحت للحضور الاقتراب من جانب آخر من هذا الإرث، يجمع بين الذاكرة الثقافية والتذوق الموسيقي.

وحول الموشحات الأندلسية وتعريفها، تحدث مؤسس «كورال العرب»، الدكتور أحمد عبدالستار، لـ«الإمارات اليوم»، قائلاً: «الموشح هو مصطلح يطلق على القوالب الموسيقية، وأول ظهور له كان في الأندلس، وازدهر على يد زرياب وكبار الفن الذين قدموا الموشحات، ويمتد عمره إلى أكثر من 1000 عام، وقدمنا في المكتبة توليفة مميزة، تعمدنا خلالها أن نستضيف عازفين من شمال إفريقيا على نحو أكبر، مع استحضار عاداتهم وتقاليديهم، فضلاً عن تقديم اللباس المحلي الخاص بالأندلس».

وأضاف عبدالستار: «حافظ الموشح الأندلسي على شكله، ولكن شهدت الموسيقى محاولات عدة تشبه هذا الموشح، فقدم في مصر وسورية موشحات عدة، وهي قوالب يمكن تسميتها بالموشح لأنها تتبع البناء نفسه للموشح، ولكنها تصنف بكونها حديثة».

أسماء ومكونات

وأشار إلى أن لكل موشح اسماً يرتبط بخصائصه وبنائه، موضحاً أن الغصن والعجز والصدر من مكوناته، وأن الموشح يرتبط غالباً بالبناء الكلامي الذي يُفصّل اللحن على أساسه. ولفت إلى أن «كورال العرب» يحافظ على حضوره من خلال تقديم أعمال تلامس فطرة المستمع من دون التحريف فيها، مؤكداً أن الفن يجب أن يحمل رسالة كي يصدقه الجمهور ويستمتع به.

وعن التحضير للحفلات، أشار عبدالستار إلى أن الاستعداد ينطلق من معايير تقنية ترتبط بالبناء الموسيقي للفرقة، إذ يجري اختيار الموشحات والمخرجات الصوتية الخاصة بالعمل وفقاً للآلات المشاركة على المسرح. وأوضح أن البرنامج يتشكّل تبعاً لتكوين الفرقة نفسها، وطبيعة الحدث، فضلاً عن خصائص المسرح، بما يضمن ملاءمة الاختيارات الموسيقية لطبيعة العرض.

ورأى أن الموشحات لاتزال تخضع للتطوير، مستشهداً بموشح «لما بدا يتثنى»، الذي قال إن عمره يزيد على 1000 سنة، وإن مصدره غير معروف، مشيراً إلى أنه يُقدم في مختلف المحافل، وهو ما يؤكد، من وجهة نظره، قدرة الموشحات على الاستمرار عبر الزمن والمحافظة على شكلها.

وأضاف أن ما تقدمه الموشحات في العصر الحالي يجمع بين أصالة الفن والجذور المرتبطة بالموسيقى، لافتاً إلى أن استماع الجمهور إلى الموسيقى الأصيلة يمنحه، بحسب تعبيره، شعوراً متجدداً بالطاقة. وقال إن نوع الموسيقى يُمثل العامل الأهم في شحن طاقة الجسم.

برامج تدريبية

في إطار الجهود الرامية إلى صون هذا التراث، كشف الدكتور أحمد عبدالستار عن العمل على مشروع كبير لحفظه، لايزال في طور الإعداد، ويتضمن تقديم برامج تدريبية وورش عمل للشباب، بهدف الحفاظ على الموشحات ونقلها إلى الأجيال القادمة. وأكد أن أي تطوير قد يطرأ على العمل ينبغي أن يظل ثانوياً، ويقتصر على الخلفيات الموسيقية، من دون المساس بمتن الموشح نفسه.

تويتر