5 دقائق

    المؤسسات اليتيمة

    د. علاء جراد

    اليتيم هو من فقد أباه قبل أن يبلغ الحلم، وفقدان الأب مصيبة كبيرة للإنسان، لأنه لا يفقد من يعوله مالياً فقط، بل من يعلمه ويربيه ويأخذ بيده في متاهات الحياة ودروبها الوعرة، وبالطبع ففقدان الأم أشد إيلاماً لما لدورها الكبير خصوصاً بالمراحل الأولى في حياة الإنسان، لذلك يطلق على من فقد أمه في طفولته «منقطعاً»، وكانت العرب تطلق على من فقد أبويه «لطيماً» وهذه حالة أقوى من اليتم ومن الانقطاع، هذا من الناحية اللغوية، أمّا من الناحية العملية فيمكن أن يصبح الإنسان كاليتيم مع أنه لديه أب وأم، وذلك عندما يغيب الاهتمام وينشغل الأهل بأمورٍ أخرى تاركين أبناءهم في مهب الريح، فيصبح حال الأبناء كحال الأيتام. ويبدو أن هذا لا يحدث للأفراد فقط، ولكن يحدث في الشركات والمصانع وأنواع المؤسسات كافة، فكيف ذلك؟ ولماذا؟

    ربما تكون هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها هذا المصطلح في وصف حالة بعض المؤسسات بأنها مؤسسات يتيمة، أو Orphan Organizations، وإن ساعدني الوقت سأقوم بعمل بحثٍ علمي حول هذا الموضوع. من واقع الممارسة العملية والأكاديمية هناك فئة من الشركات تنفصل فيها القيادة عن الموظفين تماماً، فالمديرون مشغولون بأجندتهم الشخصية وتحقيق مكاسبهم الخاصة وتأمين مناصبهم، أو حتى الإضرار بمؤسساتهم لحساب مؤسسات أخرى نظير مكاسب شخصية، وكنتيجة لذلك لا يوجد أي اهتمام بتطوير مهارات العاملين وتدريبهم والاهتمام برفاهيتهم وصحتهم النفسية أو حتى أبسط حقوقهم، لا يوجد نظام فاعل لإدارة وتقييم الأداء الفردي والمؤسسي، وكل فرد له طريقته في نيل رضا مديره المباشر، والذي بدوره له طريقته الخاصة في نيل رضا مديره الأعلى، وهؤلاء الموظفون الذين لا يتعلمون الأساليب الملتوية لن يتمكنوا من تحقيق أي شيء داخل تلك المؤسسة، وفي خضم تلك الصراعات والمعارك الفردية يفوت على المؤسسة الكثير من الفرص، مثل الحصول على عقود جديدة أو الفوز في مسابقات الأداء، أو حتى بعض النجاحات البسيطة.

    في إحدى المؤسسات التي اطلعت على نظامها ووضعها الداخلي كانت الإدارات تُسمى بأسماء المديرين، وبالفعل لا يوجد هيكل تنظيمي متفق عليه. إذن كيف تستمر هذه المؤسسات ولماذا لا تندثر؟ هذا ما يثير فضولي دائماً، ولكن مبدئياً فهناك فئة من تلك المؤسسات موجودة لأنها لابد أن تكون موجودة فوجودها بمثابة «سد خانة» ولا يتوقع منها أحد شيئاً، وهناك فئة أخرى تسير بقوة «القصور الذاتي» وهي قوة دفع مؤقتة نتيجة جهودٍ سابقة أو نجاحاتٍ في الماضي، ولكن في النهاية لن تستمر وستندثر، فدوام الحال من المحال.

    @Alaa_Garad

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 


    هناك فئة من الشركات تنفصل فيها القيادة عن الموظفين تماماً، فالمديرون مشغولون بأجندتهم الشخصية وتحقيق مكاسبهم الخاصة وتأمين مناصبهم.

    طباعة