5 دقائق

بقيت ألواح جلجامش وذهب البشر

جمال الشحي

في الصراع الأزلي مع الحياة، يخسر البشر دائماً، طمعاً في الخلود ولذة البقاء، حلم البشرية الأجمل والأطول، تلك الرغبة لاتزال تداعب مخيلة البشر هنا وهناك. في الملحمة الخالدة أراد الملك جلجامش أن يصارع الزمن! لنتخيل قليلاً تفاصيل هذه المعركة غير المتكافئة، التي وقعت أحداثها قبل آلاف السنين، من الذي انتصر فيها؟

وأي سلاح استخدمه الملك ليقهر الزمن ويحقق الخلود؟

هذه الملحمة السومرية الشعرية، التي كُتبت بالخط المسماري، اكتشفت للمرة الأولى عام 1853 في موقع أثري بالمصادفة، في المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال بنينوى في العراق.

نهاية المعركة، حسب الرواية، أن المنطق ينتصر في النهاية، وأبقى الزمن على اثني عشر لوحاً طينياً تسرد القصة كاملة، وتقول في كل لوحة لا تحاول أن تعبث معي.

وبعد هذه الأحداث وآلاف الصراعات وتقدّم العلم، لايزال الحلم طرياً في الذاكرة، يقول العلماء نحن اقتربنا من فك شفرة الخلود، ويريدون أن يحيوا الصراع القديم بعد أن طوروا أسلحتهم! قرأت في مقالة علمية أن الإنسان الذي سيعيش أكثر من مائتي سنة قد ولد! ومع تقدم التطور العلمي والصحي، أصبح حلم الخلود أقرب إلى الحقيقة مما نعتقد.

قلت في نفسي، وأنا أتأمل قراءة هذا الأثر الخالد، إنه بعد مرور آلاف السنين، سيحتفظ الزمن بهذه الملحمة الخالدة كما احتفظت بالألواح الطينية بنقوشها وزخارفها المنحوتة، وسيقرأ أحدهم هذه المقالات العلمية ويقول يا لبؤس حياتهم!

أعتقد أن أفضل نصيحة قدمتها «سيدوري»، إحدى شخصيات الملحمة، لجلجامش أن يستمتع بما تبقى لديه من سنوات الحياة، ويكون سعيداً بما يملك من ملذات الحياة في الإنجاب والطعام والمتعة، لكنه أصر على إكمال مهمته على طريق الخلود، يا لعناد البشر!

سمعت أحدهم يقول: «إن الأربعينيات هي شيخوخة الشباب»، أيشيخ الشباب؟ مَنْ وضع له البداية ومَنْ قرر له النهاية؟ في ظني أن عقدة جلجامش تتبعنا، ويضيف القائل عينه: «إن الخمسينات هي شباب الشيخوخة»، يا إلهي.. عدنا إلى التصنيفات مرة ثانية، وأعطينا هذا الشباب فرصة أخرى، لممارسة حكمته وفنونه أو نزقه وجنونه في هذا الوجود!

الواضح أن العمر هو ملعب الفرص، وهناك على الدوام فرصة ضائعة وأخرى قادمة، والعمر خدعة بل خديعة البشرية الكبرى. كيف تستطيع تصنيفات زمنية معينة اختراع بشر بائسين، يريدون فرض شروطهم وخياراتهم علينا؟! ونبقى أسرى لهم مقيدين بهذا الوهم، «اقتراب النهاية»، ونقضي حياتنا حسب هذه الخدعة السمجة التي انطلت على الجميع، كم أكره الخدع التي تأتي من البؤساء الذين يحسبون العمر بالأرقام ويقيّمون الحياة بالأعداد، يريدون أت تمضي الحياة وفق أهوائهم لكن هيهات! لأن الحياة أكبر من هذه التصنيفات والأرقام، بكل ما تحمله لنا من مفاجآت ومتع ورؤى، الزمن جدار خراساني صلب لا يمكن أن تضرب رأسك به، مهما حاولت.

أن تحارب الزمن بأسلحته نفسها التي اخترعها قبلك، فهذا يقع في خانة المستحيل، ستستمر في ملاحقة الزمن، وهو يماطلك ويتربص بك، وينقض عليك ذات يوم، أليس من الأفضل أن نتخلى عن حلم جلجامش ونتمتع باللحظة التي نعيشها قبل أن تهرب من بين أيدينا؟

يقول صاحبي: العلم كفيل بالإجابة عن كل التساؤلات وهزيمة الزمن، كل ما عليك فعله هو الانتظار!

قلت له: لا تعليق!

jamal.alshehhi@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه


الواضح أن العمر هو ملعب الفرص.

طباعة