5 دقائق

من الأفضل ألا تفهم

عبدالله القمزي

«من الأفضل ألا تفهم».. عبارة يقولها الكثيرون ويساء فهمها بسهولة بسبب العقلية السائدة في مجتمعنا. لدي صديق متخصص في التقنية قرر البقاء في منزله يوماً كاملاً لتضبيط أجهزة إلكترونية، وعندما سألته ما الذي تفعله؟ قال لي فعلت كذا وكذا بالجهاز الفلاني، ثم تفرغت لجهاز آخر عاينته وربطت بعض الأمور الفنية، ولا تسألني أكثر لأنه من الأفضل ألا تفهم.

لم أجد في كلامه إهانة، ومعنى العبارة أن الرجل متخصص في أمور لو حاول شرحها لي لما فهمتها، ولماذا أسأل عن شيء أنا غالباً لن أفهمه، وفي قرارة نفسي لست مهتماً به. التخصص في مجال ما ثقافة عند الغرب، وعيب عند العرب، لأننا نفهم كل شيء ونريد التحدث في كل المجالات والإدلاء بدلونا في كل شاردة وواردة.

يستطيع أيٌّ منا التحدث في أمر ما لو كان ذلك على شكل معلومات عامة أو تجربة شخصية بها عبرة، لكن السائد بيننا أن المتحدث يقول كلاماً لن يخلو من رأيه «الحكيم» في أمر كلنا نعرف أنه ليس من اختصاصه في ما نسميه أسلوب المحاضرة، أما الغربي فسيكرمك بكلمة لا أعرف، لأن الأمر ليس من اختصاصه.

كان أسلوب المحاضرة مؤثراً في الماضي لكن مع تغير الزمن وسهولة توافر المعلومة بضغطة زر أصبح عقيماً، فلست بحاجة لمحاضرة من شخص يتحدث مثلاً عن فوائد الجري وأنواع الأحذية الرياضية، خصوصاً لو لم أطلب رأيه وكنت خضت التجربة قبله وهو يعلم ذلك!

المحاضرة تعني استماعاً إلى شخص متبجح يقلل من أهمية ذكائك الاجتماعي ويريد أن يجعلك تابعاً له، ولهذا السبب مرفوض في الغرب، لأن الناس هناك مدربة على عملية البحث والاستكشاف، وكل فرد يريد تكوين رأي مستقل.

وهنا الشيء نفس بالنسبة للكثير من الأشخاص، خصوصاً في هذا الزمن الذي سهلت فيه التقنية كل شيء، لكن تبقى لدينا المحاضرة كأسلوب مترسخ في ثقافتنا من أزمنة غابرة يتمسك بها الكثير، ولن أقول البعض لأنهم يظنون أنها تزيد من مكانتهم الاجتماعية.

لكن أن يقول لك شخص من الأفضل ألا تفهم، فاعلم أنه ذكي وعليك أن تحدثه بمستوى أعلى من الذي يحاضرك. اعلم أنه متخصص في مجال ولا يريد أن يضيع وقتك ووقته في شرح غالباً سيكون عقيماً لك، لأنه سيكون محاضرة في موضوع خارج نطاق اهتمامك وأعلى من مستوى فهمك.

لا تقلق بشأن الفهم، فالجهل ببعض الأمور ليس عيباً، وليس مطلوباً منك أن تشرح كل شيء، لأن على المهتم من البشر بأمر ما أن يبحث وحده، فاطمئن واترك عنك رغبة تقمص شخصية الجهبذ الذي يفهم في كل صغيرة وكبيرة، وابق في مجال اهتمامك.

بالعربي: نزداد إعجاباً بصاحب العلم والخبرة إن تحدث إلينا، وتتكون حوله هالة تضفي عليه نوعاً من المثالية، لكن بمجرد خروج هذا الشخص أو إخراجه من منطقة خبرته وخوضه مجالاً آخر سرعان ما يتحول إلى إنسان عادي بالنسبة لمعجبيه، وتختفي الهالة فوراً.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة