5 دقائق

لماذا هربنا من الصحراء إلى البحر مرة أخرى

جمال الشحي

لماذا وقعنا في غرام الصحراء ونحن نعشق البحر؟ كيف لقلب واحد أن يعشق اثنين ويعيش قصتين!

تحدثت عن هروبنا إلى الصحراء بعيداً عنه وعن شواطئه في مقالة سابقة، وبعد مرور أربعين عاماً، نحاول أن نعود إليه بكل الطرق، لكن المعادلة تغيرت الآن، هجرنا الصحراء بكامل إرادتنا وحسب شروطنا، ونتوق إلى العودة له الآن بشروطه، ذلك أن كلفة الهروب وفاتورة الرجوع باهظتان، تركناه عندما لم نعد بحاجة إليه، ومع تبدل الزمن لم يعد هو بحاجة إلينا، تغيّر شكل المدينة وتغيرنا ولم يعد فناء بيتك شاطئ البحر بتلك السهولة التي تتصورها.

سأروي لكم الحكاية منذ البداية.

كيف تعارف كل من الموجة والشاطئ؟ أتساءل دائماً كيف كان اللقاء الأول؟ يا إلهي! كم يعرفان بعضهما بعضاً جيداً، إنهما في تفاهم لحد التلاحم، الموج الغاضب والزبد المتناثر يوتر البحر، يقلب المراكب، يقلق البشر. وحدها الشواطئ تعرف كيف تحضنه، وتهدئ من روعه، وتحضنه بتوازن، وتخفّف من ثورانه، تقبله بحب، ويبدأ بعدها العودة إلى الهدوء والسكينة.

وفي المقابل، عندما تريد الشواطئ أن تأخذ قسطاً من الراحة من أقدام البشر، وتنغصات قطع المحار المبعثرة، آنذاك، تنصت لعزف الموجة المنفرد، تأتي ومعها لحنها، موجة تسمعها لحناً وثانية تطردها، وثالثة تغسل إثماً، وأخرى تربت على كتفها، وتقول هامسة: لن أتركك ولو طال العمر.

يمارس الكون غوايته مع الطبيعة، ألحان وانعكاسات ضياء وغيوم وصفاء، هل شاهدتم مرة كيف تتراقص أشعة الشمس على سطح الماء، أو هل حضرتم سهرة كان فيها القمر يتلألأ على سطح البحر، كانت كل هبات الطبيعة في مدينتي بالمجان، دفع الكون ثمنها مسبقاً ووجّه دعوات عامة للبشر وكل الكائنات. في كل يوم هناك دعوة تنتظر، وعرض يبدأ، ويستمر والباب مفتوحاً للجميع، لا تذاكر أو نقاط تفتيش وأهل فريجنا كانوا يحضرون يومياً، يرافقهم جَدّي، عرفت لماذا يذرف الدموع سبب، وهو يرفض الانتقال معنا، وعندما احتضنته همس في أذني: سأموت لو تركت البحر!

عندما غادرنا جدي بعد سنة ونصف السنة من انتقالنا إلى بيتنا الجديد، تذكرت بوحه لي، والآن بعد نصف أربعين سنة، أتمنى ألا يجبرني أطفالي على مغادرة المكان عندما أكبر.

تسكننا الأمكنة وترتبط بها أرواحنا قبل أجسادنا، نحنُ من يقرر الهروب إلى الصحراء التي شيدنا عليها بيوتنا عنوة، ورغم ذلك استقبلتنا بحب ولهفة، لم تغضب ولم تتغير من فرط حنيننا للبحر، الصحراء لا تغار بل تتسع للجميع وتقبل المشاركة، لكنها رغم ذلك عصيّة على الفهم، وتلك هي أحجية الرمال.

لم يستطع أحد أن يفك شيفرتها أو يحل لغزها، هناك مَنْ يعتقد بسذاجة أنها لا تملك أي شيء تقدمه غير الكثبان، ولا يعرف أنها منجم للألوان، برمالها العميقة الذهبية الصفراء، والحمراء، والبنية. وعندما يحل المساء، بعد يوم طويل تحت الشمس، تتحول إلى سمراء. إنها حكاية يعرف تفاصيل سردها من سكنها، ومن لا يريد أن ينصت للحكاية تختلط عليه الأمور، تفاصيل الكثبان كالمرايا المعكوسة، نضيعُ في متاهاتها التي لا طريق عودة منها. قلة مَنْ استطاع سبر أغوارها، أما الباقون العابرون فيعتقدون واهمين أنها لا تعدو أن تكون كومة من الرمال، ثراء الصحراء الفاحش يحتاج إلى رمز للولوج إليها، أجدادنا هم مَنْ أخفوا عنا رموزها وأسرارها!

يقول صاحبي: أغار عندما يسقط المطر على الصحراء.

قلت له: لا تعليق.

jamal.alshehhi@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة