5 دقائق

    من هو الآخر، مرايا تعكس الآخرين وذواتنا..

    جمال الشحي

    لن نأتِ بجديد إذا طرحنا موضوع الآخر وثنائية الأنا والآخر، فقد اجتهد فيه الفلاسفة والمفكرون. ولكن أصداء تلك الفكرة لاتزال ترّن في عقول البشر على مرّ الزمن.

    قد يكون الآخر هو أنت في مكان وزمان مختلفين.

    ننظر إلى الآخرين المختلفين عنا بغرابة وننعتهم بالغرباء.. لكنهم قد يكونون غرباء عن أوطانهم بعيدين عن مكانهم لكنهم يشاطرونك الآن الزمان والمكان أيضاً! حتى الحيوانات شريكة لنا على الأرض وكل الكائنات. لذا علينا أن نجعل من معادلة التعايش فناً من فنون الحياة، ولا أحد خاسراً في هذه المعادلة لأن الحياة المشتركة تفرض نفسها علينا جميعاً.

    كيف نقدر أن نتقن فنون التعايش؟ مع أنفسنا أولاً ومع الآخر ثانياً أو الذين ننعتهم بالآخرين. الشعوب المتعددة الثقافات والأعراق هي الأكثر على الإنتاج والإبداع لأن العقول تلتقي وتتلاقح. هنا يقول العلم كلمته عن المستقبل ومميزات التعددية الثقافية؟ كيف يستطيع المختلفون بناء حضارة وثقافة صحية وحضارية في عالم مملوء بالتحديات والفوارق!

    ويصف العلماء أن الفوقية خدعة ويرفضون تفوق الأعراق ولهم أسبابهم المنطقية.. أنت جزء من منظومة كاملة وحتى تكتمل هذه الحلقة لابد أن تؤمن بحق الآخرين في الوجود وأن يكونوا جزءاً من هذه المنظومة.

    يبدأ التعايش عندما تؤمن بأنك جزء من كل ولست الكل.

    إن ترسيخ مبدأ التعايش بين الأديان والأعراق والملل يؤدي إلى تمهيد الطريق أمام الآخرين من أجل الإبداع الإنساني. وتبدو ثنائية الأنا والآخر أكثر قوة من الماضي بفعل شبكات التواصل الاجتماعي التي ربطت الجسور ببعضها. فالفضاء الإلكتروني تربة خصبة نحو فهم الآخر والتفاعل معه. لا شك أن جميع الفلسفات والأفكار اتفقت على أن المشاعر المتشابهة ملك للجميع، لا فرق بين الأنا والآخر.

    قال الفيلسوف جان بول سارتر «الآخرون هم الجحيم»، لكنه تراجع عن ذلك ولم يتمكن إلا أن يعيش مع الآخرين، ويكتب لهم. وفي كل هذه العلاقة مع الآخرين يحددها وعينا، كيف ننظر إلى الآخر؟ الآخر هو المرآة التي نرى فيها ذواتنا كما أتصور. وكل مرآة تعكس صورة الآخر. يبقى التفاعل الإنساني هو جوهر الوجود، من دونه يختل هذا العالم، سواء اعتبرنا الآخرين في خندق الجحيم أو الفردوس.

    وسواء قبلنا أم لم نقبل افتراضات الفلاسفة واختلافاتهم، فإننا مضطرون إلى أن نتعايش مع الآخر بطريقة أو بأخرى. الموضوع الأساسي هو قبول الآخر بالتجربة وليس بالتصوّر أو الاحتمال، أي من خلال المعايشة الحقيقية. لكن البشر وللأسف الشديد يخضعون للأفكار النمطية الجاهزة عن الآخر، وهو خطأ جسيم. لا يمكن أن نحكم على الآخر انطلاقاً من ذواتنا وتصوراتنا، بل من الواقع الموضوعي. الآخر في حياتنا هو قدرته على العطاء والتفاعل. ونحن في الإمارات نعيش هذه التجرية المتفردة، فمن بين أكثر من 200 جنسية، تبدو لنا مسألة الآخر في غاية الحيوية وفي صلب حياتنا اليومية. ونحن بالنسبة لهؤلاء البشر الذين يشاركوننا حياتنا، الآخر أيضاً. لذلك تتشابك الآراء والتأملات حول هذا الآخر وكل منا يكوّن تصوراته عن الآخر. أتخيّل بأننا نعيش وسط قاعة ضخمة لا حدود لها مملوءة بالمرايا العاكسة، ونحن لا نمتلك إلا أن ننظر في هذه المرايا لكي نرى وجوهنا ووجوه الآخرين، ونكتشف الأرواح المتشابهة في ما بينها بكل عنفوان وحيوية، من أجل استيعاب الآخر الذي هو نحن.

    jamal.alshehhi@gmail.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .


    «ترسيخ مبدأ التعايش بين الأديان والأعراق والملل يؤدي إلى تمهيد الطريق أمام الآخرين من أجل الإبداع الإنساني».

    طباعة