5 دقائق

    اللغز رقم 190

    جمال الشحي

    تودّع الرياح الباردة شهر نوفمبر، وتوشك على استقبال شهر ديسمبر بلهفة غير مسبوقة. غداً سيكون بداية شهر ديسمبر، نحن في بدايات حقبة السبعينات، كانت خيوط الفجر تتساقط على الجزيرة، وتنسكب على البحر والشواطئ. تستيقظ المدينة النائمة على ضفاف الخليج الآن على صوت الأذان، وهدير الأمواج وأنغامها، موجة إثر موجة بتناغم ساحر غريب يُفشي أسرار الليل.

    البحر اللامتناهي وابتسامة الفجر، ألوان الشروق، ابتهالات الأمواج، فضول نخيل البيوت القديمة، آثار خطوات أقدام الأهالي، وآثارها على الرمال البيضاء في طريقهم إلى الصلاة، انتفاضة أشجار الغاف وانطلاق صوت قرآن الفجر، عناصر لن تتكرر في لوحة من لوحات الطبيعة.

    عندما فرغ سالم من تأدية صلاة الفجر، لم يكن هناك صوت للطائرات الحربية المقاتلة، ولا حتى السفن والبوارج الحربية تعني شيئاً لهم، أو تخيفهم وتثبط من عزيمتهم، بل إن حب الوطن كان يغمرهم، ذلك لأنه عندما يغمر قلبك الحب، يتلاشى آنذاك الخوف والقلق ويبقى الوطن ناصعاً وزاهياً في الأفق.

    كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف جندي محتل ينتظرون إشارة البدء بغزو الجزيرة في المقابل، ولم يكن عدد جنودنا المرابطين سوى ستة جنود فقط! يقفون في مواجهة جيش مدجج بالسلاح والعتاد وكراهية الآخر! ماذا حدث في صباح ذلك اليوم؟ هل استسلم جنودنا بسهولة؟ ذلك الصباح يروي قصة سارية العلم؟

    بدأت القصة كالتالي.. قائد جيش العدو يعطي أوامره بمهاجمة مركز الشرطة، سالم وزملاؤه الخمسة يتحصنون بالمركز ويرفضون تسليم المكان، وعيونهم مُعلقةٌ بسارية العلم، فيما النيران العشوائية تطلق في كل الاتجاهات. وفي خضم المعركة يتناهى إلى سمعهم صوتٌ غريبٌ يناديهم صارخاً: «اثبتوا اثبتوا»، وتمتلئ نفوس الجميع بالشجاعة، وفي لحظة خالدة، يطلق أحد أفراد الشرطة النار على الأعداء، ويا للمفاجأة تصيب الرصاصة قائد العدو في مقتل، ويفقد المحتل أحد أهم قادته! يتشبّث العدو ويصمد للحظات لكنه يحكم الحصار، ويزيد من كثافة النيران التي تغطي الجزيرة بكاملها. يستمر أبطالنا في المقاومة رغم صعوبة المعركة، لكنهم استطاعوا بشجاعتهم إيقاع الخسائر من القتلى والجرحى في صفوف العدو!

    يتعجّبُ المحتل الغاضب لأنهم كانوا يعتقدون أن مهمتهم في القضاء على أبطالنا مهمة سهلة، لكنها انقلبت عليهم، عندما فقدوا قائدهم وأفراداً من قوتهم بسهولة رغم عددهم الكبير، إلا أنهم عجزوا عن اقتحام مركز الشرطة. بدأ القصف وإطلاق الرصاص يشتد على جنودنا، وتمكن العدو الغاشم، بعد جهد، من إصابة اثنين من أفراد الشرطة، وكما نقول: الكثرة قد تغلب الشجاعة، لكن الباطل لن ينتصر على الحق أبداً. أمر قائد العدو الجديد حينها جنوده بالالتفاف وإنزال العلم لحسم المعركة.

    يتكرر الصوت الغريب ثانية «سارية العلم يا سالم».. مرات، ينطلق سالم إلى سارية العلم رغم جرحه ويصاب ثانية، ويزحف ليمنعهم من إنزال العلم، وفي طريقه يروي بدمائه تراب الجزيرة.. أرض الوطن.

    لقاء دم الحق بالأرض صك ملكية للأبد، لا يستطيع أي عدوان مهما حاول تفكيك هذا العقد الأبدي.

    الأرض لنا، كانت لنا وسترجع لنا، والمغتصب عابر على أرضنا وتاريخنا، لن يستطيع تغيير هويتنا ولا أسمائنا ولن يضيع حق وراءه مطالب.

    يتساءل جنود العدو من كان هذا المقاوم البطل؟

    كان اسمه الشهيد سالم بن سهيل، ورقمه العسكري 190.

    الشهيد الأول في دولة الإمارات الآن وفي كل العصور.


    في خضم المعركة يتناهى إلى سمعهم صوتٌ غريبٌ يناديهم صارخاً: «اثبتوا اثبتوا»، وتمتلئ نفوس الجميع بالشجاعة.

    jamal.alshehhi@gmail.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة