5 دقائق

    راتب صديقي الأميركي

    جمال الشحي

    «لا تشترِ ما لا تحتاجه»..

    تنسب هذه المقولة لوارن بوفيت، وهو ثري أميركي، اعتمد البساطة منهاجاً وطريقة حياة، ورغم قصر الجملة، إلا أنها تؤسس لفكر مالي تبناه الكثير من الأشخاص في العالم، ومنهم رواد أعمال وأثرياء بحجم صاحب المقولة.

    هل لدينا إدارة صحيحة لمواردنا المالية، خصوصاً الذين يعتمدون على الراتب الشهري بصفة أساسية؟

    أتواصل دائماً مع أصدقاء الدراسة، بفضل تقنيات التواصل الاجتماعي، إذ قرّبت التكنولوجيا المسافة رغم بعدها، وألغت تدريجياً صناديق البريد، ومعها قلق الانتظار، وفي حديث عابر مع أحدهم عن هموم الحياة، قال إنه يدخر مع زوجته مبلغاً منذ الآن لدفع مصروفات التعليم الجامعي لأبنائه، لأنهما لا يريدان أخذ قرض بنكي للتعليم، وأخذنا الحديث لمفهوم الادخار الذي يطبقه منذ أكثر من 10 سنين، وأصبح بالنسبة لهما طريقة حياة، وأصبت بالدهشة عندما علمت أن راتبه لا يتجاوز الـ2000 دولار، ومع ذلك يملك شهادة جامعية عالية، وسيارة، وبيتاً، ولديه طفلان، وقد سدد كل قروضه، ومعه زوجته التي تعمل بدوام كلي أيضاً، تشاركه المسؤولية والواجبات والالتزامات، حيث نظام الزواج المتفق عليه هو الشراكة الكاملة بين الطرفين، وللصراحة لم يجذبني موضوع الشراكة لأسباب كثيرة، منها أنه قد يكون محسوماً سلفاً في مجتمعاتنا، ولكن شدتني مسألة الإدارة المالية، وثقافة الادخار التي قد تكون غائبة عنّا، وتساءلت: كيف استطاع صديق الدراسة الذي يسكن في شمال مدينة شيكاغو التعامل مع غلاء المعيشة، وتحديات الحياة، ومطالب الأبناء، وساعات العمل الطويلة التي تنتهي يومياً في الساعة الخامسة مساءً.

    - قال لي: الحياة تعاملني بشكل جيد.

    قلت لنفسي: الحياة غير عادلة.

    في المقابل، صديقنا المشترك الآخر، الذي يقطن في مدينتي، والذي يتقاضى أضعاف ما يتقاضاه صديقي الأميركي، يعاني غلاء الأسعار، ومطالب الأبناء، وصعوبات الحياة، رغم الصورة الخارجية الباذخة التي يرسمها لنفسه.

    وفي جلسة مصارحة، قال لي إنه مضطر للعيش بهذه الطريقة ليساير نمط الحياة المتبع بين الأهل والأصدقاء والمعارف في هذه المدينة، فعليه أن يشتري الأفضل، ويبني الأجمل، وينفق الأكثر، حتى لا ينظر إليه بدونية، ولو كلفه ذلك قرضاً أو حتى قرضين من البنوك، التي تفتح أبوابها وقلوبها للمقترضين. المطالب اليومية لا تنتهي، وعليك التنفيذ رغم كلفة الطلب إذا أردت أن تعيش عائلتك في هذا المستوى الراقي. وأضاف: إننا لا نريد أن نكون بمعزل عن بيئتنا في نمط الحياة.

    قلت له: هل ستستمر في العيش بهذه الطريقة؟

    قال لي: أنا في دوامة لا أستطيع الخروج منها.

    الادخار ثقافة متبعة، تناقض ثقافة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، وكثير من العادات غير العملية التي نتبعها من دون منطقية تأزم من معاناتنا، ورثناها وطبّقناها، وللأسف نورثها لأبنائنا، ربما بلا قصد.

    سألت خبيراً مالياً عن أفضل الطرق للمحافظة على الراتب؟

    قال لي: نظام التخصيص أول الشهر للضروريات، وإعطاء بند للمصروفات، ومبلغ للادخار، ولو كان قليلاً، وعدم الخلط بين البنود والصرف المباشر بغير حساب، ويجب التعامل مع الراتب ومصروفات البيت كمعاملة الشركات!

    وأضاف: إذا استطعت أن تلتزم بذلك، أضمن لك إدارة مالية وبقاء جزء من الراتب.

    قلت له: لا تعليق!

    الادخار ثقافة متّبعة تناقض ثقافة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب».

    jamal.alshehhi@gmail.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة