5 دقائق

    ظلم النفس

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    يُعرَّف الظلم بأنه هو وضع الشيء في غير موضعه، ويُعرّف ظلم النفس بأنه أن يحقق لها شهوة عاجلة ليورثها شقاء دائماً، وسمي ما يجره المرء على نفسه من أليم العقاب ظلماً؛ لأنه وضع نفسه في غير الموضع الذي خلقت من أجله، فإنها مخلوقة لتكون مؤمنة بالله تعالى عابدة له، فإذا استعملها في غير ذلك يكون قد ظلمها، لما جلب لها من الشقاء.

    «قد يجهل كثير من

    الناس ظلمه نفسَه،

    ولو أنه تفكر قليلاً

    لأدرك ما هو عليه

    من ذلكم الظلم».

    ولا يخلو امرؤٌ من ظلمه نفسه، لما في الإنسان من نوازع الشهوات والشرور، لذلك لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾شق ذلك على أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، أي أن الظلم درجات فمنه ظلم عظيم وهو الشرك بالله تعالى - عياذا بالله منه - ومنه دون ذلك، ولما كان كثير من الناس أو أكثرهم أسرى ظلم أنفسهم، نجد الحق سبحانه يحذر عباده منه، فيقول: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ - أي الأشهر الحُرم - أَنْفُسَكُمْ﴾، وهو نهي عن ظلم النفس عموماً، لكنه في الأشهر الحُرم أشد نهياً، ونجد القرآن الكريم يُذيِّل نواهيه بالتحذير من ظلم النفس، فيقول في شأن التعدي على حدود الله تعالى، وهي محارمه التي حرمها على عباده: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، أي لم يحسن إليها بل جلب لها شقاءً ونقمة، حيث تعذب بفعل المعصية من ارتكاب المحظور أو ترك المأمور، وكان بوسعه ألا يوردها هذا المورد.

    ولما كان المرء واقعاً في ظلم النفس لا محالة - إلا من عصمه الله تعالى - فإن الواجب عليه أن ينقذها ويخلصها من ذلكم الظلم، وذلك بالمبادرة بالتوبة التي تغسل الحوبة، وترقِّي العبد إلى درجة المحبوبية، كما كان من أبَوْينا آدم وحواء عليهما السلام، فإنهما لما أدركا شؤم المخالفة بالأكل من الشجرة التي نُهيا عن أكلها، بادرا بالتوبة النصوح فقالا

    ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾فتاب الله عليهما وغفر لهما، وكذلك كليم الله موسى، عليه الصلاة والسلام، لما أدرك ظلم نفسه بانتصاره للذي هو من شيعته على الذي هو من عدوه، فوكزه فقضى عليه، ولم يكن يقصد قتله، فما وسعه إلا أن ابتهل إلى الله تعالى بالاعتذار والإشفاق على نفسه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فكان تشريعاً سماوياً لمن وقع في هذا الظلم، أن عليه أن يبادر بالإنابة إلى ربه، وسيجد الله غفوراً رحيماً، كما أخبر سبحانه عمن يفعل ذلك بقوله جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، فإن هذا ثناءٌ بالغ على من اعترف بالحقيقة التي وصل إليها، وأناب إلى مولاه سبحانه.

    وقد يجهل كثير من الناس ظلمه نفسَه، ولو أنه تفكر قليلاً لأدرك ما هو عليه من ذلكم الظلم، فكم هو مقصر في الواجبات والطاعات، حتى وإن أداها عدداً ومظهراً! فهل أداها على وجهها من الإخلاص والصدق؟ فضلا عن حقيقة الإيمانيات، وكم هو واقع في الشبهات التي تقود إلى المحرمات! فإنه لا يكاد يخلو اليوم امرؤ منها في مطعمه وملبسه ورزقه ومعاملاته وواجباته الاجتماعية والأسرية، وكم هو مقصر في أداء الحقوق التي عليه لربه وأهله ووطنه ومجتمعه، وكم وقع في المخالفات صغيرة كانت أم كبيرة! إلى غير ذلك، فكل ذلك يستدعي أن يعترف المرء لربه بظلم نفسه ويسأله المغفرة، وهذا ما أرشد إليه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أمته، كما روى البخاري ومسلم من حديث أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».

    فلنحرص على هذا الدعاء فهو جدير أن يقبله الله تعالى ويغفر لنا ظلمنا أنفسنا.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

     

    طباعة