5 دقائق

    النفس الأمَّارة

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    يشتغل الناس بكثير من الأمور التي يرونها ضرورية لإصلاح حياتهم ومعاشهم، وتحقيق رغباتهم وملذاتهم، ويغفلون عن أهم ما يصلح حياتهم ودنياهم وأخراهم، وهو إصلاح النفس، وذلك بالالتفات إليها؛ لأنها سر نجاح المرء أو فساده في الدين والدنيا، هذه النفس التي قد تأمر بالخير فتكون نفساً زاكية مطمئنَّة، وقد تأمر بالشر والفساد فتكون «أمَّارةً» بالسوء، فإن عادت على نفسها بالَّلوم والمعاتبة وتدارك التفريط تكون «لوَّامة»، ولعل الإنسان ينجو عندئذ من تبعات السوء الذي زينته وأغرت به، بل أمرت وحضت عليه، وقد ذكرها الله تعالى بهذا الوصف للتحذير من سوء ما تأمر به، فقال جل شأنه: «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ»، فذكرها الله تعالى بصيغة التقرير المؤكد بمؤكدات كثيرة، وهي «إنّ» واللام المؤكِّدة، والجملة الاسمية، بل وصف أمرها بالسوء بصيغة المبالغة «أمَّارة»، أي كثيرة الأمر بالسوء، كل ذلك بخلاف ذكره سبحانه للنفس المطمئنة أو النفس اللوامة؛ لأن كلاً منهما لا تحتاج إلى تلك المؤكدات، لقلة وجودها في الناس مقارنة بالأمارة بالسوء، وليس بمقدور الإنسان أن يجعل نفسه مطمئنة أو لوامة، إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته، وما يُنشّأ المرء عليه من صغره بين مربِّين فيهم تلك النفوس المرضية.

    - إننا اليوم بحاجة ماسة

    وكبيرة إلى الالتفات

    إلى أنفسنا الأمارة،

    فنسخرها لغير ما تأمر

    به من السوء.

    أما النفس الأمارة بالسوء، فإن المرء مكلف بجماحها وعدم الاستجابة لما تأمر به من سوء، وتقييدها بالأوامر والنواهي الشرعية، فإن المرء مكلف بذلك، وعليه أن يلتزم به وإلا كان منقاداً لها، وستورده موارد الهلكة، ومثل ذلك لا يستجيب له العاقل الحريص على نفع نفسه في دينه ودنياه.

    إننا اليوم بحاجة ماسة وكبيرة إلى الالتفات إلى أنفسنا الأمارة، فنسخرها لغير ما تأمر به من السوء، لما نراه من آثار سيئة على أولئك الذين استجابوا لأنفسهم فوقعوا في الشهوات، وتناولوا المنكرات، واستباحوا المحرمات، فضلاً عن انغماسهم في الشبهات، ثم حلت بهم الندامات التي لم تنفعهم وقد هلكوا في تلك اللذات، والكل يرى مثل أولئك في مراكز الشرطة وسجون التأديب، ومستشفيات الأمل، أو المصحات، ممن أعطوا نفوسهم الأمارة مبتغاها منهم، ولم يتعظوا بما يرونه، فلم يستفيقوا إلا وهم في أقفاص الاتهام بجريرةٍ كان بوسع كل منهم أن لا يقع فيها، لو أنه فطن لما تأمر به نفسه من تلك المخالفات، ولكن لات حين مناص، إلا ما قد يكون بينه وبين ربه من صدق التوبة، أما الحقوق العامة أو الخاصة فإنه في جريرتها حتى ينفذ القضاء.

    إن النفس الأمارة هي التي تورد العباد موارد الهلكة، فهي أعدى الأعداء لك أيها الإنسان، فلا بد أن تتفطن لمداخلها، فهي تغريك بالمعصية بحجة أنها لذة ومتعة، بينما هي سُمٌّ زعاف، لا تجد له ترياقاً شافياً إلا بصدق التوبة مما وقعت فيه، وشدة المحاسبة والمراقبة لنزغاتها، ومعرفة مداخلها من النظر إلى كثرة الواقعين في شِراكها، وعدم الالتفات لكثرة المغريات التي هي خيوطها الناعمة التي تقود إلى المهالك، فكن على حذر من كل ذلك، وتفطن لذلك التقرير القرآني بوصفها الحقيقي المنفِّر عن كل سوء تأمر به، وتحصين نفسك بإشغالها بالمطلوبات الشرعية والاجتماعية والأدبية والعلوم النافعة والمعايش اللازمة، وغير ذلك مما يعود عليك نفعه عاجلاً وآجلاً، فإن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، كما هي الطبيعة التي جُبلت عليه، وفي تحصيل هذه المنافع تفويت لما تأمر به من سوء وفحشاء، وقد أحسن الشاعر البوصيري وصفها بقوله:

    والنفس كالطفل إن تُهمله شبّ على * حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

    واستعن في كل ذلك بصدق الالتجاء إلى الله تعالى أن يقيك شرها كما علمك النبي صلى الله عليه وسلم فتكثر من قول: «اللهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما عمدت، وما جهلت».

    وقول: «أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر نفسي، وشر مَنِيِّي».

    وبالله التوفيق

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

    طباعة