5 دقائق

    المياه قبل السمك

    د. علاء جراد

    يعتبر حوت «الأوركا» من أضخم الثدييات وأشرسها وأسرعها، حيث يسبح بسرعة 60 كلم في الساعة، وقد يعيش هذا الحوت لأكثر من 100 عام في بيئته الطبيعية، ولكن ينخفض هذا العمر الى 14 عاماً فقط إذا وضع هذا الحوت في الأسر، وبالرغم من توافر الطعام طوال الوقت إلا أن هذا الحوت يظل طافياً على سطح الماء كما لو كان بلا روح حتى يموت. ما السبب؟ ما الذي يجعل كائناً حياً - لا يفكر كثيراً - ويفترض ألا يشغل باله سوى طعامه، أن يموت في سن 14 عاماً، في حين لو ترك في بيئته الطبيعية فقد يعيش لأكثر من 100 عام؟ إنها البيئة وظروف المعيشة وانعدام الحرية والاكتئاب!

    هناك ارتباط كبير بين البيئة وبين الأداء والسعادة، فالحيوانات تصاب بالاكتئاب وتموت من الهم والغم، فما بالك بالإنسان الذي تشكل العواطف والمشاعر والحالة المزاجية الجزء الأعظم من حياته وقراراته وأفعاله. حتى ننجح ونتميز لابد أن نكون في البيئة الصحيحة والمناسبة لهذا النجاح، لابد أن نسعى جاهدين لتغيير البيئة أولاً فقوة الإرادة وحدها لا تكفي لحدوث التغيير، فالكثير من العلماء الذين غيروا العالم والرياضيين والفنانين الحقيقيين لم يكونوا ليصلوا الى ما وصلوا اليه دون أن يغيروا البيئة التي يعملون فيها، أو أنهم وجدوا طريقة مثالية للتكيف مع تلك البيئة. للمتحدث والمدرب المشهور، دان لوك، قصة جميلة في السياق نفسه مع حوض السمك في منزله، حيث ماتت إحدى سمكاته فاستدعى متخصصاً في أحواض السمك، والذي قال له إن السمك مريض ولابد له من علاج، وإن العلاج يكمن في معالجة المياه ببعض العقاقير، وبالتالي يصح السمك. العلاج يبدأ بالمياه وليس بالسمك، لذلك علينا بدراسة البيئة والسياق الذي نعيش فيه لنرى إذا كان الخلل في أسلوب حياتنا أم في البيئة.

    ماذا نفعل إذا كان تغيير البيئة صعب؟ هناك دائماً طريقة ما، فإذا كانت البيئة بها الكثير من القيود من قبل الأهل أو الأقارب، واذا كان الجميع يسرع للحكم عليك، فلا داعي لأن تشرك الجميع في كل قراراتك، ولا داعي للقرب الزائد، لا مانع من الابتعاد قليلاً عمن يعيقونا عن التطور والتقدم – دون المساس بالثوابت وصلة الرحم بالطبع – ماذا لو كانت بيئة العمل مسممة وغير صحية؟ لابد من قرار جريء بمغادرة تلك البيئة، ولكن علينا أن نعد أنفسنا جيداً لتلك الخطوة من خلال الحصول على المهارات والمعارف اللازمة للالتحاق ببيئة أفضل، الشاهد أن هناك دائماً حل، لكن لابد أن نعرف أين المشكلة أولاً.

    علينا أن نعدّ أنفسنا جيداً لتلك الخطوة من خلال الحصول على المهارات والمعارف اللازمة للالتحاق ببيئة أفضل.


    @Alaa_Garad

    Garad@alaagarad.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة