5 دقائق

طعام الذين أوتوا الكتاب

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من سماحة ديننا الإسلامي العظيم أن أباح لنا كثيراً مما نحتاجه في حياتنا، لاسيما ما كان من ضروريات الحياة، كالطعام والنكاح، تماشياً مع منهجه العام في رفع الحرج وعدم المشقة، فأباح ذبائح أهل الكتاب والتزوج من نسائهم؛ لما لهم من أصل سماوي، فهو القاسم المشترك بيننا وبينهم، وقد كان هذا الأصل سبباً للتعامل معهم على مبدأ البر والقسط، والتعاون على ما ينفع الناس.

وكان عليهم إن لم يدخلوا في دين الله الخاتم الناسخ للشرائع السابقة، الذي يعرفونه في كتبهم، وأُمروا باتباعه عند ظهوره، فإن لم يؤمنوا به فلا أقل من أن يحافظوا على ما بقي لهم فيه من أصول، فلا يغيرون ولا يبدلون، غير أن كثيراً منهم تنكّروا لأصول دياناتهم فانسلخوا منها كما تنسلخ الحيَّة من جلدها، واستبدلوا الأحكام والتشريعات التي كان فيها نفع لهم ولغيرهم، وقدموا التطور الحضاري السريع على التشريع السماوي.

ومن ذلك التطور الصناعي الذي أحدثوه للحيوانات المأكولة اللحم، فإن النصارى بالأخص لم يعد يهمهم ما ورد في شرعهم من تذكية، فاستخدموا التقنيات الحديثة السريعة الفعل، بإتلافها صعقاً كهربائياً أو تدويخاً أو خنقاً بالأكسجين، وغير ذلك؛ ليحققوا أرباحاً تجارية هائلة، أو تماشياً مع ما يسمى ظاهراً بالرفق بالحيوان، والحقيقة أنه تعذيب للحيوان بوحشية كبيرة، فإن هذا الفعل لا يمتّ إلى الرحمة بصلة.

وحيث إن النص القطعي في كتابنا قد حرم علينا «الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السَّبُع»، فإن هذا النص القاطع لم يجعل لأحد سبيلاً في أن يجتهد في عمومات النصوص الأخرى كالنص العام: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، بعد النص الخاص بتحريم أنواع أو كيفيات إتلاف بعينها، وهو قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، فإن العام المخصوص لا يبقى لعمومه معنى، لأن الخاص يقضي على العام باتفاق الفقهاء والأصوليين.

وإذْ قد علمنا أن ما يجري منهم للحيوانات المأكولة من بهيمة الأنعام من وقذها صعقاً بالكهرباء، أو خنقا بالغاز؛ فإن ذلك يوجب تحريمها بالنص القطعي، فلا مستمسك بذلك العموم مع العلم القطعي بطريقة إتلاف الحيوان لديهم.

فعلى المسلم إذا أن يتحرى طعامه الذي أوجب الله تعالى أن يكون من الطيبات، وأمر أن تُجتنب الخبائث، والخبائث اسم عام لكل ما لا يحل أكله، سواء كان محرماً في الأصل كالخنزير والدم والميتة، أو كان بطريقة موته، التي قلبت حكمه من الحل إلى الحرمة، لأن هذه البهيمة التي خلقها الله تعالى لمنفعة الإنسان لم يُبِح سبحانه أكلها إلا بشرط تذكيتها بأن تذبح على اسمه سبحانه الذي خلقها وسخرها، وعلى شرعه الذي ارتضاه، حتى لا يكون القصد من ذلك مجرد الإتلاف المفضي إلى الأكل.

وقد رتب الشارع على طيب الطعام وحل الأكل أموراً كثيرة؛ منها صلاح الأبدان ووقايتها من النار، وسلامة القلوب حتى تنشط للطاعة والعبادة، واستجابة الدعاء الذي هو سلاح المؤمن وعُدته، وغير ذلك من الأمور المترتبة على طيب الطعام وحله.

فالتهاون في شأن الطعام بشبهات لا تثبت، لا ينبغي أن يكون من المؤمن ما لم يكن مضطراً، والاضطرار لا يكون إلا عند فقد الطعام الذي لولا تناول الحرام لهلك المرء، فإن للضرورة عندئذ حكمها الاستثنائي، أما والبدائل كثيرة مما يخرجه البحر من لحم طري، أو مما تطمئن إليه النفس من ذبائح اليهود الذين لايزال الكثير منهم يحافظون على تشريعاتهم، فلا يبقى للضرورة محل، فلا يأكل المسلم شيئاً من المحرمات بأصله أو بما طرأ على تذكيته فحرمته، وفي البقوليات المفعمة بالبروتينات غُنية وأي غنية.

ويحسن بي في هذا المقال أن أشير إلى فتوى مفتي المملكة العربية السعودية السابق، الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله، حينما سئل عن ذبائح أهل الكتاب فأجاب بالحل «ما لم نعلم أن الذبيحة قد أُهل بها لغير الله أو بالخنق أو بالصعق الكهربائي يقيناً»، وهذا اليقين هو الذي سنته قوانينهم، وطبقته مسالخهم وشركاتهم كما لا يخفى.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة