5 دقائق

قصة نجاح البرازيل

د. علاء جراد

توجد قصص نجاح لدول انتقلت من الحضيض إلى مصاف الدول المتقدمة، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا، لكن قصة نجاح البرازيل تختلف، وتعتبر أكثر أهمية بالنظر إلى السياق، والأبعاد السياسية والديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، فتعداد سكان البرازيل (213 مليون نسمة) وتركيبتها السكانية غاية في التعقيد، ومع ذلك فقد استطاعت الدولة احتضان الجميع، واحترام التنوع الثقافي وتحويله لنقطة قوة. تعتبر البداية الحقيقية لنجاح التجربة البرازيلية هي تولي الرئيس السابق، لولا دا سيلفا، سدة الحكم عام 2003، حيث فاز بنسبة 60% في ظل مخاوف من أن دا سيلفا لم يكمل تعليمه ولا توجد لديه خبرة اقتصادية، في حين أن ملفّي التعليم والاقتصاد كانا في ذلك الوقت من أهم الملفات، فمَن لولا دا سيلفا؟

ربما لم يوجد رئيس في التاريخ ساعدت ظروفه الاجتماعية ونشأته في تشكيل شخصيته وأجندته السياسية مثل دا سيلفا، فقد نشأ برعاية والدته، وعاش في فقر مدقع في أسرة بها سبعة أطفال، هجرهم والدهم بعد ولادته مباشرة، فاضطر إلى ترك المدرسة عندما كان في الصف الخامس الابتدائي، وعمل ماسحاً للأحذية في شوارع ساوباولو ثم في بيع الخضراوات، وفي المطاعم، إلى أن حصل على دورة تدريبية أهلته للعمل في أحد المصانع في ظروف صعبة لا يوجد فيها أي اهتمام بحقوق العاملين ولا سلامتهم، ففقد إحدى أصابعه نتيجة نقصان إجراءات السلامة، ولم يستطع الحصول على العلاج.

تلك النشأة كان لها تأثير بالغ، فمن أهم البرامج الإصلاحية التي قدمها كان برنامج «فوميه زيرو» أو «صفر جوع»، حيث استهدف البرنامج الأسر الأكثر فقراً، التي يضطر فيها الأطفال إلى ترك التعليم حتى يعملوا لمساعدة أهلهم، وقد تم تعيين وزير لمكافحة الفقر والتنمية الاجتماعية، وقدم سياسة مهمة وهي «بولسا فاميليا»، وهي إعانة للعائلات لترسل أطفالها للمدارس، ولتأمين حياة كريمة حتى لا يصبح الفقر طبقياً، وكان يتم تسليم المبالغ للأم حيث إنها الأكثر قرباً من الأطفال، وربما تأثر في ذلك باهتمام أمه به وبإخوته. لقد جذبت إصلاحات سيلفا أكثر من 200 مليار دولار، وحلّ الكثير من المشكلات المزمنة، وأصبح من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم، وقال عنه باراك أوباما: «دا سيلفا أكثر شعبية مني، إنه أكثر شعبية من كل الكرة الأرضية»، استمر في الحكم ثماني سنوات كانت الأهم في تاريخ البرازيل، لكن للأسف تم اتهامه وسجنه في قضايا فساد على الرغم من أنه بح صوته أنها مؤامرة، حتى اقتنعت المحكمة، الشهر الماضي، بأن أدلة إدانته لم تكن كافية وتم فتح التحقيق مرة أخرى.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة