5 دقائق

الجَلَد عند فقد الولد

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

فقد الولد رُزءٌ عظيم وخطب أليم، وابتلاءٌ لا يقدر على تحمله إلا رجل حليم؛ إن ذلك هو ما حدث بفقد الشيخ خالد بن سلطان القاسمي، رحمه الله وأنزله منازل المقربين، وألهم أباه وأمه وذويه الصبر والسلوان، ذلكم الشاب الذي كان يستقبل الحياة بجذوة نشاط لعمارة الدنيا والدين، وكان المؤمل فيه شيئاً كبيراً وكثيراً، غير أن سنّة الابتلاء، التي أجراها الله تعالى على خلقه، لا تتخلف لحال نبي أو ولي، فإبراهيم خليل الرحمن أجرى الله عليه سنته التي خلت في عباده، فكان ابتلاؤه بيده ليعظم، فلما نجح فيه، ووفى بمراد الله تعالى، فداه بذبح عظيم، وهكذا تكون عاقبة من نجح في هذه السنّة الجارية، كما يدل على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، فهي بشارة من الرحيم الرحمن بالصلوات منه سبحانه، والرحمة التي ينالها في الدنيا والآخرة، والهداية العظيمة التي هي بغية كل إنسان، ينالها من ذلك الرزء.

نعم إنه ابتلاء، ولكنه من الملك الحق الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه سبحانه، وهو اختيار لمن شاء له تلك الهبات، مع علمه بأنه من أهل الثبات، ومن أولئك هذا الرجل العظيم صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، الحاكم العادل، والعالم العامل، والعابد الكامل، والزاهد الفاضل، فقد شاء الله تعالى أن يكتال بالمكيال الأوفى من الفيض الرباني على هذا الابتلاء، ويشاركه فيه كل شعبه ومحبيه في الدولة وخارجها، والذي يود كل منا أن لو فداه بالأولاد إن كان يقبل الفداء، ولكنِ اللهُ أعلم حيث يجعل عطاءه وفضله في عباده، فلا يسأل عما يفعل ولا يرد له قضاء ولا قدر، وإن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، كما قال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.

نعم إن الابتلاء عظيم ولكن ما عند الله من الأجر أعظم، فذلكم هو السلوان الذي تهون معه مصيبة الموت، وقد ثبت من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد»، وبحسب هذه البشارة العظيمة أن تكون سلواناً وأنساً، لأن ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾وقد مات إبراهيم ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما زاد على أن استعبر وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

وكذلك شعب الإمارات كله قد عمّه الحزن، وله بهذه السنة النبوية الأسوة الحسنة؛ ولسان حالهم ما قاله الأعرابي لابن عباس في تعزيته بأبيه العباس بن عبدالمطلب، رضي الله عنهما:

اصبر نكن بك صابرين وإنما

                     صبر الرعية عند صبر الراسِ

خير من العباس صـبرك بعده .... والله خير ٌمنك للـــــعباس

فقال رضي الله عنه: ما عزاني أحد بمثل الذي عزيتني به، وخرج للناس بعد أن كان قد امتنع لهول المصيبة، وسلوى الجميع ما روي مرسلاً عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب»، وقد كانت فاطمة بنت النبي، عليه الصلاة والسلام، تعبر عن ذلك فتقول:

«صُبّت عليّ مصائبٌ لو أنّها ... صبّت على الأيام عدن لياليا».

ومع ذلك صبرت وتجلدت وحدثت وروت؛ لأنها تعلم أن الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وهكذا يكون حال المسلم عند نوائب الدهر، وكما قال أبو ذؤيب الهذلي:

وتجلُدي للشامِتين أريهمُ... أني لريب الدهر لا أتضعضعُ.

رحم الله الفقيد وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

 «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة